• الرئيسية
  • الحب والغزل والإغواء في القرية التقليدية

الحب والغزل والإغواء في القرية التقليدية

الحب والغزل والإغواء في القرية التقليدية

 

من الصعوبة بمكان توثيق التاريخ الاجتماعي لأحاسيس الناس ومشاعرهم والتحولات التي تعرضت لها في حقب زمنية بعيدة وفي مجتمع له مواقف صارمة منها، والمتمثلة في تاريخ الحب والغزل والإغواء، كما أن طبيعة المجتمعات التقليدية كتم المشاعر، فيما عدا الشعراء؛ لأن مشاعرهم تكون متوارثة كتقاليد أدبية، وليست حقيقية بالضرورة، لذلك صار الحب والغزل والإغواء من الموضوعات المسكوت عنها، وتؤكد دراسات ميشيل فوكو عن “تاريخ الجنسانية” أن مسائل الجنس كانت من المحرمات خارج إطار مؤسسة الزواج، حتى الحديث عنها لا يجوز في مجتمعات أمريكا وأوروبا، ولم يبدأ الاهتمام الاجتماعي بهذه المسائل إلا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وجاءت بعد ذلك دراسات تحلل ظاهرة الاهتمام بجسد المرأة وتكوين تصورات متنوعة عنه. وتأتي هذه المقالة لترصد جوانب من تقنيات خرق عادات المجتمع وتقاليده من الشعر الشعبي والأغاني الشعبية التي انتشرت في الستينيات الميلادية وبعض ذكريات كبار السن الذين قابلتهم.

يهتم علم الاجتماع بظاهرة الحب والغزل والإغواء في سياق اهتمامه بالجسد وبالعواطف ومعانيها الرمزية في المجتمع، كما أن الطب يهتم بالقلب بوصفه مضخة دم للجسد، وليس محتضنًا مشاعر عاطفية، وكما يهتم علم الإحياء والنبات بالورد بوصفه أوراقا تنمو من هواء وماء وسماد، وليس لأنها تضفي معنى رومنسياً، فالمعنى العلمي للأشياء يبحث في وظيفتها الفيزيائية، بينما المعنى الاجتماعي يبحث في وظيفتها الرمزية في المجتمع. وفي هذا السياق الاجتماعي تأتي مقالة ظاهرة الحب والغزل والإغواء في مجتمع القرية التقليدي، التي تعيش حياتها وفق التقاليد المتوارثة، وتطور التقنيات المستخدمة فيها خلال ثلاثمئة سنة تقريباً.

تعد هذه المقالة محاولة لرصد التاريخ الاجتماعي لممارسات الإنسان العادي في الحياة اليومية في سياقها الطبيعي بتناقضاته، وخاصة في الممارسات التي لم تحظ بالدراسة، ويمكن أن تسهم في فهم الواقع. وليس دقيقاً ما يشاع من أن الدراسات أثبتت أن عزل الجنسين عن بعضهما سوف يؤدي بالضرورة إلى الشذوذ الجنسي، فهناك دراسات تؤكد على: “أن الرجل والمرأة المعزول كل منهما عن الآخر، ليسا إلا جزأين مختلفين من كلٍّ واحد حسي، يعيدان إنشاءه باتحادهما… ولهذا السبب ترى علماء النفس يلاحظون بحق أن انفصال الجنسين كان حدثاً أساسياً في تطور العواطف، ذلك أنه هو الذي مكَّن من نشوء ميل، ربما كان من أقوى الميول المجردة عن الغاية”[1]. وقد اهتم علماء النفس والاجتماع بظاهرة الغزل والإغواء بين الجنسين أو بين الجنس الواحد عند الإنسان والحيوان بوصفها ظاهرة اجتماعية موغلة في القدم.

الغزل في التراث

يعد الغزل، وأشهره الغزل العذري المنسوب إلى قبيلة عُذرة القضاعية التي تسكن شمال الحجاز، من أهم ركائز المجتمع العربي منذ القدم، واكتسب مكانة في الأدب بحيث صار جزءاً من بناء القصيدة في أحد عصورها، ويعد فناً مستقلاً بذاته، وضربت العرب المثل بالحب العذري لعفته، ويرى شوقي ضيف بأن تعاليم الدين الإسلامي هذبت النفس تجاه مفهوم الحب، ولكن التحضر والرفاه أسهم في تحويل الغزل من ظاهرة نقية إلى غريزية[2]. ويرى الطاهر لبيب بأن الحب العذري استلهم فكرة الحبيبة الوحيدة التي يتودد إليها المحب من نصوص عقيدة التوحيد، وهو مفهوم للحب مختلف عن مفهوم الحب قبل الإسلام[3].

وقد نظَّم المجتمع عملية علاقة الرجل بالمرأة، ولم يسمح لهما بالاختلاط إلا في حالة الزواج، في حين نجد أن الشعراء المخالفين لقواعد المجتمع المشهورين بالغزل يحظون بشهرة سريعة، لجاذبية طرحهم المعبر عن شباب جيلهم، مثل: عمر بن أبي ربيعة، الذي كان يكثف المعاني على جسد المرأة وتسليعه. ونزل القرآن الكريم لتعزيز قيم المجتمع واتجاهاته، ولكنه سمح بها بضوابط أكثر منهجية وأدق استيعاباً للتغير الاجتماعي، “ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سراً إلا أن تقولوا قولاً معروفاً”، وتعد مسألة المواعدة ركيزة أساسية في تنظيم العلاقة بين الجنسين لارتباطها الكبير بمفهوم الشرف.

الفضاء العام في القرية التقليدية

معروف عن المجتمع السعودي، في مرحلته التقليدية، بأنه محافظ ومتدين، وتقاليده تمنع اختلاط الرجال بالنساء إلا في حدود ضيقة، وصار هذا العرف نظاماً رسمياً، وأنشأت الدولة نظام الحسبة، التي عرفت فيما بعد بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أبرز مهامهم مراقبة الفصل بين الجنسين، ومن ثم صار النساء يتعرضن للتحرش من خلال الغزل أو الإغواء بطرق لا يقرها المجتمع ولا النظام، ويتصدون لها إذا رُصدت، ولذلك يحاول الشباب اختراق هذا الضبط الاجتماعي من خلال الوصول للفتيات بطرق غير شرعية باستخدام تقنيات تقليدية واستراتيجيات تواصل فعالة مع الفتيات بحيث تعتمد على مبادرة من الشاب أولاً، ثم تخضع مبادرته لتقييم الفتاة المعنية، وفي حال قبولها يتفق الطرفان على الشفرة المستخدمة بحيث لا تثير انتباه أحد، وقد عرض حميدان الشويعر، قبل 300 سنة تقريباً، إحدى تقنيات التواصل المحرم التي تستخدم السعال والكحة العفوية:

لا تضم اللي ما تخلي الرفيق       غـايب(ن) رجلها أو بعد حاضري

الوعد مثل ما قال: كحي واكح     في قيام العشر وان ظهرت اظهري

واقعدي عندنا لين ما يوترون      واظهري والمطوع بهم يوتري

واشتهر الشاعر الشعبي محسن الهزاني بقصائد غزل خارقة للمألوف الاجتماعي وفيها تحدٍ للتقاليد، مما جعل أشعاره تنتشر وتخلد في الذاكرة الشعبية، بوصفها تعبر عن مكنون الشباب بما لا يستطيعون الإفصاح به، ويجدون أنفسهم في أبياتها، ولاحظ بعض الرحالة الغربيين ومنهم الرحالة البريطاني جون فيلبي أثناء زيارته للرياض قبل قرن من الزمان، انتشار ظاهرة الإغواء والمواعدة، وأشار إليها بتوسع في كتابه “قلب جزيرة العرب”.

كما كانت أماكن رعي الغنم في أطراف القرية ساحة مثالية للغزل والإغواء، إذ كانت مهمة رعي الأغنام سهلة وآمنة، ولا تتطلب جهداً كبيراً؛ لذلك كانت تسند للفتيات وللشبان المراهقين، وهناك يحصل التعارف، وفي البادية تمثل آبار الماء (القلبان جمع قليب) من الأماكن المناسبة للتعارف بين الفتيان والفتيات حيث يسقون الماء لأهلهم، وقد صورت المسلسلات البدوية هذه الظاهرة، ونقلت مشاهد متعددة لأشكال التعارف بشكل واضح، وغالبها يتركز في مبادرة من الشاب، وتمنع غير صارم من الفتاة، ويبدو أن استهداف آبار سقي الماء للمواعدة ليس ظاهرة عامة، بل مبالغ فيها من المسلسلات أو أنها في معروفة في بعض مناطق الشام، إذ إن الآبار تكون مناطق زحام ويقطن حولها البدو الرحل مؤقتاً.

وفي مرحلة لاحقة برزت مظاهر الحداثة والتنمية في المجتمع، فظهرت ثورة في تقنيات الغزل، ومنها استخدام السيارات والتعرض لطالبات المدارس، وفي الأسواق، واشتهر سوق سويقة وسوق السدرة في الرياض في مرحلة الخمسينيات وما بعد، وكذلك التعرض لفتيات الحارة، وفي روايات “شارع العطايف”، و”الشميسي” لتركي الحمد، و”سقف الكفاية” لمحمد حسن علوان قصص توثق أنماط الغزل والإغواء التقليدي، وقد كانت الأسواق ومدارس البنات نقطة الصفر التي قسمت المجتمع إلى أيديولوجيات المحافظين، ورموزها الحسبة ثم صارت فيما بعد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلى غير المحافظين على التقاليد ورموزهم ما عرف بالمجتمع فيما بعد بالتيار الليبرالي، ومن ثم تحولت المرأة من كائن اجتماعي طبيعي إلى ساحة معركة فكرية وأيديولوجية استمرت لعقود، وأصدر التيار المحافظ منتجاً معرفياً ضخماً عن الخطر المحدق بالمرأة نتيجة اختلاطها بالمجتمع.

حاسة الشم والإغواء

حللت الباحثة بيت فرون في كتاب “الرائحة: أبجدية الإغواء الغامضة” تأثير حاسة الشم على المزاج، وعلى تحديد أنماط التفاعل بين الناس، وعلى قدرة الروائح على إثارة الاستجابة، وترتبط حالة الروائح العطرية بالإغواء. ويلحظ أنه يكثر في الشعر الشعبي الإشارة إلى تأثير حاسة شم المحبوب أو شم عطره أو رائحة المكان الذي يقيم فيه على المحب، يقول الشاعر الفارس راكان بن حثلين يصف أنفاس محبوبته:

نبغى ندور الطفلة العوسجية      ريحة نسمها كالزباد العماني

وقد كانت النظافة الشخصية والعطر بالنسبة للمرأة من أهم معايير جمالها، نظراً لمحدودية أدوات التجميل، لذلك كانت المرأة في المجتمع تتحفظ من التعطر قبل خروجها لاحتمال تعرض رائحتها للشم من قبل الرجال، مما يجعلها محل انتقاد من المحافظين، فتضطر لأن تحمل عطورها في حقيبة لاستعمالها في وقتها المناسب.

فضاءات جديدة: تحولات الحب في الأغنية الشعبية

أسهمت الأغنية الشعبية آنذاك في رصد هذه المظاهر والتقنيات، ويمكن تقسم الأغاني إلى أغاني المعارضة وهي التي تتضمن معاني غير متقبلة رسمياً واجتماعياً وممنوعة من التداول، ومع ذلك تحظى باهتمام شعبي كبير، ويمثلها أغاني بشير شنان وعيسى الأحسائي ومجموعتهم، وأغاني الحكومة وهي التي تتضمن غزل مبطن ومتقبل وتحافظ على قيم المجتمع، وتبث في وسائل الإعلام الرسمية ولها جماهيرية بين مختلف الطبقات، ويمثلها أغاني محمد عبده وطلال مداح والأجيال التي سارت على هذا المنهج، وقد أسهم شعراء كبار من الأمراء والأدباء في صناعة هذا التوجه مثل الأمير خالد الفيصل والأمير بدر بن عبدالمحسن وراشد بن جعيثن وإبراهيم خفاجي، إذ غنيت قصائدهم في زمن مبكر، مما أتاح لها أن تكون نموذجاً فنياً متقبلاً. ويلحظ أن بعض الأغاني القديمة كانت تتغنى بالمرأة المجهول قبيلتها ومنطقتها، وقد تحولت فيما بعد إلى التغني بالفتاة منسوبة إلى منطقتها، كما في أغنية محمد عبده “مرني عند الغروب”، ثم أعادت الشيلات ظاهرة التغزل بالفتاة منسوبة إلى قبيلتها.

تتضمن أغاني بشير شنان وابن سعيد تصويراً لمشاهد مبادرة الشباب بملاحقة الفتيات المتمنعات، ويلحظ أن أغاني مطربي الستينيات الميلادية كانت سرداً قصصياً مكشوفاً يحكي استراتيجيات الشباب في الإغواء، كما أن أكثرها “أداتية”، أي أنها تصف جسد المرأة بوصفه سلعة، في السوق والشارع والدخول معها في مواعدة مباشرة، ولا تهتم بالأخلاقيات ولا تصف المشاعر، وغالباً ما تبدأ بالتفاوض، وتنتهي بعد حوار بين الشاب والفتاة بالافتراق في السوق، وبعضها يتجاوز إلى اختراق قيم المجتمع. وتعد أغنية “قبل أمس وسط السوق” لبشير شنان، من أبرز الأمثلة، إذ وصل التفاوض فيها إلى الإغواء مع إعطاء تفاصيل عن الحياة اليومية في أحياء الرياض الشعبية، يقول في الأغنية:

قالت: وين بيتك فيه         من شان نجلس فيه

قلت: أمش أوريكيه      تكسي يوصلناه

وسط (الطرادية)       في حارةٍ حية

أهلها زكرتية               نـمَّام ما تلقاه

فهو يؤكد لفتاته بأن أهل الحي سوف يلحظون وجودها ويستنكرونه، إلا أنهم لن يستخدموا استنكارهم في إلحاق الأذى بهم، وهذا أحد أهم وسائل بث التطمينات لصعوبة التخفي.

فضاءات جديدة: التنمية والتعليم

وسعت مجالات تعليم الفتاة ووظائف المرأة مجالات التعارف، ونشأ بسبب ذلك فضاءات جديدة للحب والغزل والإغواء، إذ بدأت بظاهرة تسكع الشباب أمام مدارس البنات في أوقات انتهاء اليوم الدراسي، والتحرش اللفظي ببعضهن، واشتهر قبل ستين سنة تقريباً أغنية “بنات المدارس” للفنان بشير شنان التي يقول فيها:

بنات المدارس ليتني عندكم سواق      أمتع عيوني بالنظر دايم فيكم

وذلك لأن المرأة في المجتمع التقليدي لا تخرج من بيتها إلا للضرورة، وبالتالي قد تمر الأيام دون رؤية امرأة تمشي في الشارع، فصارت رؤية طالبات المدارس بعد خروجهن من المدرسة بشكل جماعي، فرصة لتدكس الشباب أمام بوابة الخروج للنظر إليهن من بعيد، لهذا نجد أن الشاعر يتغزل بالمرأة ضمن مجموعة وليست منفردة، أو يتغزل بفتاة مجهولة. كما يبدو من أغنية شعبية للفنان عبدالله الجنوبي مطلعها:

من غزال المدرسة    صاب قلبي وسوسة

ومن أغنية الفنان عيسى الأحسائي: عند باب المدرسة شفت الغزال

ثم برزت في بداية الثمانينيات ظاهرة الأسواق المتكاملة والمغلقة (المولات) في شيوع الغزل، وفضاء جديداً للتعارف السريع، مما اضطر الجهات المسؤولة إلى منع الشباب من دخول هذه الأسواق بمفردهم، كما مكنت هيئة الأمر بالمعروف من الحضور المكثف فيها لمنع الاختلاط ولتقديم النصح للنساء اللاتي لا يلتزمن باللبس المحتشم بحسب وجهة نظرهم، ويبدو أن الرقابة الرسمية عليهم كانت حالة مؤقتة، إذ انتهت مؤخراً.

الحب الأكاديمي

ظهر بعد ذلك ما يمكن أن أسميه الحب الأكاديمي أو “زواج التخصص”، إذ تكون طبيعة بعض التخصصات الجامعية أو في الدراسات العليا أو التخصصات الطبية مجالاً للتعارف عن قرب، وهي تمثل بذور ظاهرة بناء رأي مستقل عن الطرف الآخر قبل الزواج منه خارج توصيات الأم والأهل. ويجمع بين الطرفين التخصص العلمي والأكاديمي أو الاهتمامات المشتركة، وشهدت هذه المرحلة التعارف المنتهي بالزواج، بعدما كان الزواج مقصوراً على الأقارب.

الحب النائي

انتقلت تقنيات الغزل والإغواء بعد ذلك من المقابلات الفيزيقية التي تعتمد على الالتقاء بين الأشخاص في الفضاء العام، إلى استخدام حاسة الصوت من خلال خدمة الهاتف الأرضي، إذ نشأ بسببه فضاء جديد يلتقي فيه الغرباء عن طريق الصدفة أو القصد من خلال الاتصال الهاتفي، وهذا بداية لما يسميه عالم الاجتماع الألماني أولريخ بك “الحب النائي: أنماط حياتية في عصر العولمة”، الذي تطور بسرعة التقنية، ونشأ معه ظاهرة وجود محبوبين لم يتلقيا إلا صوتياً، ثم محبوبين في بلدين مختلفين، ولا يلتقون إلا عبر وسائل التقنية، ورصد عبدالله بن بخيت لحظة الصفر في تغير تاريخ الغزل، فهو يقول في “ذكريات منسية”: “عندما أنهت شركة أبكو مشروع التليفون الآلي، وزرعت أسلاكه في معظم حيطان الرياض وبيوته، تحولت خدمات الشباب من الدوران في السكيك، إلى عزلة التقنية الجديدة… وحتى الأغنية التكنولوجية الأولى التي صدح بها الفنان صليح الفرج، التي تنطوي على إشارات تقنية صريحة… وأنتج [فنان شاب] ثلاث أغانٍ جديدة تدور حول العلاقات الجديدة، بدأها بأغنية: “ألوه من ذا بيته”، فأفاق العالم من ذهول الحب القديم ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام أيامه الجديدة التي يجب أن يعيشها… “ليش خطكم مشغول يا شين عوايدكم”… “رقمكم معد أبيه دفنته في قلبي ونسيته”، فكانت القطيعة مع فناني عصر ما قبل التليفون”[4]. وجمع عبدالرحمن المعمر بعض التقنيات الحديثة المستخدمة في الحب والغزل في كتاب “البرق والبريد والهاتف وصلتها بالحب والأشواق والعواطف”، ما يؤكد على تنبه الأدباء لظاهرة “الحب النائي” التي غزت المجتمع، وأعادت ترتيب العلاقات بين الجنسين.

الموجة الأخيرة لاستخدام تقنيات الغزل والإغواء ظهرت مع دخول خدمات الأنترنت، وعولمة الحب والغزل والإغواء، ويلحظ أن جيل الإنترنت الأول من الإناث متوجس من الذكور بسبب تضخيم التحذير من الاختلاط بين الجنسين. ولكن هذه الصورة الذهنية زالت كثيراً مع جيل الهواتف الذكية المزودة بتطبيقات التواصل الاجتماعي التي ظهرت عام 2007، وانتشرت في المملكة عام 2011، وصحبت معها قيم جديدة، مثل: البحث عن مصالح مادية بعد أن كانت تخضع لقيم التقبل الشخصي، وشهدت مبادرات من الأنثى بعد أن كانت تقوم بدور المتلقي فقط.

مقاومة المجتمع

بدأ بعض جيل الشباب يغير مفهوم قيمة الشرف عما كان الوضع عليه في الأجيال السابقة وكثير منها يحظى بدعم الأسرة، من خلال تخفيف حدة القيود على البنت، والسماح لها بالاختلاط مع مجتمع الذكور، سواء في العمل، أو الفضاء العام، أو حتى تكوين صداقات. كما ذابت قيم كثيرة كانت تكثف المعنى في إضفاء الحشمة على المرأة التي تلتزم بها، مثل: عباءة الرأس، واللباس الواسع، والألوان القاتمة، وتغطية الوجه، وخفض الصوت، وتحمل التهميش. وحل محلها قيم الانفتاح على الجنسين في فضاءات عامة وفضاءات العمل والإعلام، خاصة بعد مغادرة هيئة الأمر بالمعروف من الفضاء العام (إبريل 2016)، وتعديل بعض الأنظمة التي تمنح المرأة حرية التحرك في السفر (أغسطس 2019). وبالتالي فإن كثيرا مما يعد إغواء ومخالفاً للعادات، سيكون من طبيعة الحياة اليومية بتأثير كبير من تطور التقنية التي أسهمت في تغيير كثير من القناعات، وبثت كثيرا من الأفكار الجديدة حول العلاقات الاجتماعية وصورة المرأة الذهنية.

 

 

[1] إميل دوركايم، في تقسيم العلم الاجتماعي، ترجمة حافظ الجمالي، بيروت: المكتبة الشرقية، 1982، ص.71

[2]  شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي: العصر العباسي، القاهرة: دار المعارف، ط 20، 2002، ص 359

[3]  الطاهر لبيب، سوسيولوجيا الغزل العربي: الشعر العذري نموذجاً، ترجمة مصطفى المسناوي، بيروت: دار الطليعة، ص 87

[4]  عبدالله بن بخيت، مذكرات منسية، لندن: طوى للثقافة والنشر والإعلام، ط 1، 2012ص 115، 116