النخلة في حياتنا اليومية

النخلة في حياتنا اليومية

 

درس إيفانز بريتشارد الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية في مجتمع قبيلة النوير بالسودان، وتوصل إلى أن البقرة تدخل في جميع تفاعلات حياتهم اليومية وطقوسهم الدينية والاجتماعية والاقتصادية، فقال كلمته المشهورة في الإنثربولوجيا: “فتش عن البقر”. ويقصد بذلك أن للبقر ثقافة وتمثلات ذهنية مترسخة في عمق المجتمع بحيث يمكن أن تكون هي الشفرة التي يفك بها أي غموض في فهم مجتمع النوير؛ وهي عبارة رمزية تؤكد على أن المجتمعات التقليدية عموماً لديها مقدسات رمزية تمنحها معاني جليلة. وأستطيع أن أستعير هذا الوصف مؤقتاً وأرشح النخل ليكون مدخلاً مناسباً لفهم الحياة اليومية للإنسان العادي في المجتمع العربي عموماً، والخليجي والسعودي خاصة، ويتأكد هذا عند دراسة المجتمع في المرحلة التقليدية أو عصر ما قبل النفط.

حظيت النخلة في السنوات الأخيرة باهتمام عالمي متزايد من خلال تأسيس مراكز أبحاث متخصصة وإقامة معارض دولية سنوية لتطوير أنواعها، وتحسين أساليب ريها، وتسويق تمورها وتنوع منتجاتها التحويلية في جميع بلدان العالم تقريباً، واقتربت أهميتها وشعبيتها كثيراً من أهمية الخبز، مما يجعلها مناسبة لأن تكون رمزا للسلام العالمي، مثل الخبز، بوصفها لغة تواصل بين الشعوب.

توصف جزيرة العرب بكثرة النخيل منذ القدم، وقد وصفها أبو حاتم السجستاني في “كتاب النخلة”: “وإنما النخل قدّره الله جل وعز للعرب في جزيرة العرب… ثم إلى البحرين، هجر والقطيف وبلاد اليمامة نخل كثير جداً، وحوالي بلادها نخل كثير لبني نمير وبني قشير ولباهلة ولبني ضبة وبلعنبر ولبني سعد في تلك الرمال وحواليها نخيل كثير في مواضع كثيرة”[1]، ويبدو أنه يقصد بما حوالي اليمامة منطقة عالية نجد بوصفها منازل نمير وقشير وباهلة، وتشمل الآن محافظات كبيرة مثل: الدوادمي والقويعية والأفلاج ووادي الدواسر. كما يبدو أنه يقصد أيضاً منطقة الوشم وسدير بوصفهما من منازل ضبة وبني سعد وبني العنبر، أما الرمال فيبدو أنها رملة الأطهار، وتسمى الآن نفود الطغيبيس، غرب مدينة الرياض.

يقدر عدد النخيل في المملكة قبل أكثر من نصف قرن بحوالي 870 ألف نخلة، وفق مسح شمل جميع مناطق المملكة بين عامي 1382- 1385ه[2]، ووصل عددها في عام 1438ه/ 2018 إلى أكثر من 28 مليون نخلة في جميع مناطق المملكة[3]، ويبدو أن من أسباب هذا الارتفاع الكبير يعود للثراء المادي للطبقة الوسطى، ولتحسين مستوى الري والزراعة النظيفة، ووفرة الأيدي العاملة الرخيصة بعد أن كان المواطن هو الذي يقوم بجميع مراحل الزراعة، بوصفها مهنة أساسية متوارثة. إضافة إلى دعم الدولة، وتطور الصناعات التحويلية، وانفتاح المملكة على الأسواق العالمية، وظهور مصانع تقدم خدمات مساندة في النقل والتخزين والري والتغليف، وبالتالي فقد كانت الزراعة سابقاً تعد وظيفة أساسية في المجتمع، ثم صارت صناعة اقتصادية ورمزا اجتماعيا بعد سيادة الوظائف والتعليم.

صاغت النخلة حياة مجتمع الجزيرة العربية اقتصادياً واجتماعياً وحضارياً وشاركته في حياته اليومية بحيث يستطيع الباحث أن يكتب سيرة النخلة كما تكتب سيرة حياة الرجال العظماء الذين يصنعون حياة المجتمع، ويمكن فهم النخلة على أنها “شيء مادي”، وأنها “حدث اجتماعي”، وأنها “منتج اقتصادي”.

النخلة بوصفها شيئًا ماديًا

تدرس النخلة على أنها “شيء مادي” من حيث: سعرها وسعر منتجاتها وصناعاتها التحويلية، وأنواعها، وأماكن زراعتها، وأشكال التمور، وأحجامها وألوانها، ودخول التمر وبقية مشتقات النخلة في التصنيع والتسويق والعمارة والفن. ومن ثم فإن النخلة بوصفها شيئًا ماديًا ومنتجًا أساسيًا، تدخل في تفاصيل حياة الإنسان اليومية، ويصعب الاستغناء عنها، وبالتالي لا يمكن تخيل حياة المجتمع التقليدي دون فهم النخلة.

فقد استخدمت النخلة في العمارة التقليدية استخداماً مثالياً، ودخلت في أساسيات عمارة البيت وأثاثه والمسجد ومكوناته والسوق ودكاكينه وآبار المزارع، وذلك باستخدام جميع أجزائها، إذ صنعوا من جذوعها عوارض لأطوال الغرف، وللأبواب الداخلية والخارجية، وللسواني المعدة لاستخراج المياه من الآبار، أما الأبواب فتصنع عادة من خشب الأثل، وبعض القرى يصنعونها من جذوع النخل، أما جريد النخل (العسيب) اليابس فيستخدم في الأسقف بعد تشذيبها من السعف، ثم ينثر فوقه خوص السعف لإغلاق الفجوات المحتملة قبل بناء السطح فوقه، ويوجد منتجات ثانوية كثيرة للنخيل[4].

ويراعى دائماً في عمارة المنازل الطينية بناء مخزن صغير يسمى الجصة، وهو ذو مواصفات خاصة لحفظ التمر لغرض استخدامه في غير موسمه ولاستخراج دبس التمر بعد ضغطه في الجصة، وذلك لأن المجتمع كان يعتمد قبل النفط على مواسم الأمطار، فإذا أصيبت المنطقة بجفاف في أي موسم، فإنهم يتعرضون للهلاك، ومن ثم كانت فكرة تخزين الطعام ومن أهمه التمور والقمح حلاً جذرياً.

تمر دورة حياة النخلة في الموسم الزراعي الواحد إلى عمليات اجتماعية واقتصادية وزراعية تصل إلى تسعة أشهر، إذ إن ملاك النخيل يستعينون طوال العام بأيدي عاملة للزراعة وللخراف وللتسويق، ويستعينون بأيدي عاملة متخصصة في حفر الآبار، كما أن كثيرًا من منتجاتهم الخشبية تعد موسماً لتجار الأخشاب، الذين يستعينون هم أيضاً بأيدي عاملة لتشذيبها وتصنيعها بما يتناسب مع احتياجات الناس اليومية، وجميع العاملين والفلاحين والتجار والمسوقين هم من الأيدي العاملة المحلية آنذاك، وبالتالي فإن النخلة تمثل أحد أهم أدوات الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وتوفير الأمن الغذائي، وذلك لأن التمور تكون صالحة للأكل والتخزين الطويل، في مجتمع يتعرض لأزمات بيئية متكررة.

النخلة بوصفها حدثاً اجتماعياً

أما النخلة “كحدث اجتماعي” فتدرس بوصفها رمزاً اجتماعياً منظماً للحياة اليومية من خلال وجاهتها الاجتماعية، وقدسية التمر وأوقات أكله، ولتمر النخل معاني قدسية كثيرة مستدعاة من نصوص نبوية تؤكد على أهمية التمر كغذاء مبارك وصحي. وغالباً ما تجتمع الأسرة يومياً، ويلتقي الأصدقاء، وتقام المناسبات الكبيرة، وتبدأ بالتمر مع شرب القهوة العربية، ولذلك لا يخلو منزل في المجتمع العربي من مجلس مخصص لتناول القهوة مع تمر النخل واستقبال الضيوف.

وقد مثلت النخلة أهم عوامل الجذب السياحي في المجتمع التقليدي منذ مئات السنين، فقد اشتهر في المجتمع ظاهرة المقياظ، ويقصد به الانتقال من المدن إلى القرى ذات النخيل في مواسم اشتداد الحر (ويسمى القيظ) والذي ينضج فيه التمر، والاستمتاع بالهواء العليل بين النخيل مساء مصحوباً بأكل التمر في وقت الخراف طازجاً، وفي التواريخ المحلية يكثر قول المؤرخين: وفي هذه السنة قاظ الأمير فلان ومعه حاشيته في قرية كذا…، بل كان أشراف الحجاز يقيظون في عالية نجد، ولبعضهم مزارع نخيل فيها، وهذا يؤكد جماليات بيئتنا المحلية وقدرتها على إيجاد سياحتها الموسمية المتميزة[5].

وينتشر في مناطق المملكة، عشرات الأنواع من التمور، ويمتد نضج كثير منها بشكل متقارب زمنياً، بحيث يستطيع أصحاب النخيل الاستمتاع بنضوج بعض أنواع النخيل من شهر أغسطس، ثم كل أسبوعين تقريباً ينضج نوع جديد، ويستمر إلى أربعة أشهر، وأول أنواع تمور النخيل نضجاً غالبا السلج والخلاص، وآخرها نضجاً الهلالية. وبالتالي تكون فرصة التقاء الأقارب والأصدقاء في المزارع التي تكون في أطراف المدن متكررة لأطول وقت.

ولا يمل المزارع وصاحب النخل من التردد على جميع نخلاته أو أكثرها، وذلك لأن النخل تمر بعملية حمل ولقاح حتى نضج تمرها لمدة تسعة أشهر تقريباً، وبالتالي فهي تتعرض للتحولات باستمرار. ومن ثم تنشأ علاقة حميمية بين النخلة وصاحبها، لا يدركها إلا من جرب زراعة النخيل وأشرف عليها بنفسه.

وللتمور مراسم وآداب أكل متعارف عليها، مثل أن يأكل الشخص التمر فرادى، أي تمرة تمرة، ولا يحق له أخذ اثنتين مهما كان حجم التمرة صغيراً، كما يحق له تحديد التمرة التي سوف يأكلها مهما كان موقعها في الصحن، بعكس الأكل الذي يلزم أن يأكل الشخص مما يليه، وفي المثل الشعبي “التمر خص، والعيش قص”، ومن المعيب على الشخص كثرة تقليب التمور في الصحن لتحديد التي سيأكلها، وإنما عليه أن يحددها بالنظر قبل أن يمد يده عليها. ومن العادات أن يوزع التمر في صحون صغيرة متعددة بحيث يتسع كل صحن لشخصين، وذلك لراحة الضيوف وعدم إحراجهم بكثرة الحركة.

النخلة بوصفها منتجاً اقتصادياً

في بلدان الخليج أكثر من ثلاثمئة نوع من تمور النخيل تعرف في بلدانها بمسميات مختلفة، وقد تتجاوز ستمئة نوع مع تمور العراق وليبيا[6]، ويبدو أن كثيراً منها نبوت، وهي تمور نخيل تنبت من النواة، وليس لها تصنيف، فتسمى نبت أو تعطى اسما جديدا.

كان النخل الطويل يرمز لمعاني الشرف الاجتماعي والثراء الاقتصادي، وقد ورد في القرآن الكريم مدح النخل الطوال “والنخل باسقات”، وترسخ هذا المفهوم في ذاكرة العرب على مر التاريخ، يقول الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري:

على النخل ذي الشعفات الطوال        على سيّد الشجر المقتنى

ويقول محمود درويش:

الجميلات هن الطويلات      خالات نخل السماء

ثم تحول هذا المفهوم وصار الناس يفضلون النخل الذي لا يزيد طوله عن متر، وذلك لأسباب اقتصادية فيما يبدو، نظراً لصعوبة خراف تمر النخل الطويل وكثرة متطلباته من العدد ومن المهارة، ولمخاطر السقوط منها، ولضياع وقت طويل في خرافها، ووقت خراف التمر من عذوقه ضيق، وقد يفسد التمر أو يتحول إلى رطب أكثر من الحاجة إذا كان عدد النخل كثيراً، مما يقلل الاستفادة منه.

وكان الناس يتفاخرون بكثرة أنواع نخيل التمور، وقد تصل إلى ثلاثين نوعاً وأكثر في المزارع الكبيرة، ثم صار كثير منهم يقتصر على أهم الأنواع المرغوبة شعبياً، والتي يتزايد الطلب عليها في سوق التمور.

كان التمر يقدم للضيوف ويؤكل على ثلاث حالات هي: إما تمراً طازجاً في وقت الخراف، وبقية فائض التمر في موسمه يتم تخزينه بإحدى طريقتين، هما: إما مكنوزاً، وإما مبرداً. وقد تطورت أساليب إعادة تصنيع التمور لتدخل ضمن أنواع الحلا.

أخيراً

وبهذا يتبين لنا أن النخلة صديقة للبيئة وشريك للإنسان في حياته اليومية وهوية وطن، وهي جديرة بتكريمها ورد الاعتبار لها، من خلال تأسيس متحف خاص بتاريخها وحاضرها وفنونها وما كتب عنها ودورها الاجتماعي والاقتصادي الوفي؛ لأنها الخيار الاستراتيجي الذي لا ينضب للاستثمار والتصنيع والسياحة، أو تخصيص يوم محلي يحتفى بها موسمياً، وتكثيف الدراسات التي تطور منتجاتها وتعالج مشكلاتها، وتحسين وسائل ريها، وتبسط أساليب زراعتها في المنازل الصغيرة.

 

[1]  أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني، كتاب النخلة، تحقيق حاتم صالح الضامن، بيروت: دار البشائر، ط 1، 1422هـ/ 2002 ص 40، 41

[2]  حسن مرعي، النخيل وتصنيع التمور في المملكة العربية السعودية، الرياض: وزارة الزراعة والمياه، 1391هـ/ 1971، ص 41

[3]  المركز الوطني للنخيل والتمور، تقرير المركز الوطني للنخيل والتمور النصف سنوي 2018، ص 48

[4]  سعود بن عبدالكريم الفدا ورمزي عبدالرحيم أبو عيانة، المنتجات الثانوية للنخيل: أنواعها وأهميتها الاقتصادية، الرياض: أوقاف الراجحي، ط 2، 2018.

[5]  عبدالرحمن بن عبدالله الشقير، المقياظ: سياحة الصيف ونشاط الاقتصاد المحلي، صحيفة الاقتصادية

[6]  جاسم محمد المديرس، أطلس أصناف التمور في الخليج، الكويت: المؤلف، ط 4، 2010، ص 119