• الرئيسية
  • المقياظ سياحة الصيف ونشاط الاقتصاد المحلي

المقياظ سياحة الصيف ونشاط الاقتصاد المحلي

المقياظ سياحة الصيف ونشاط الاقتصاد المحلي

يمثل تراثنا الثقافي غير المادي قوة ناعمة، بوصفها رأس مال رمزي يمكن إعادة إنتاجه والتعريف به وتصديره وتحقيق مكاسب رمزية، كما أنه إرث اجتماعي شديد الخصوصية، ويرتبط بكل منتج ثقافي طقوس اجتماعية تعكس واقع المجتمع وهو في حالة ديناميكية، ومقالة المقياظ تعد امتداداً لمقالة المكشات، وسيتبعها مقالات أخرى يجمع بينها أنها تراث ثقافي غير مادي، وذلك بهدف التعرف على المضامين الاجتماعية والتفاعل الرمزي المنغرس في هذه الظواهر الاجتماعية في سياقها الثقافي، ومحاولة تتبع تحولات القيم الاجتماعية تجاهها عبر الأجيال، والتعرف على أساليب الناس في تحسن جودة حياتهم في كل موسم، ورؤيتهم الإيجابية للحياة، على الرغم من قسوة الظروف، وهي منظومة قيم كامنة في مكونات المجتمع ومنغرسة في لاوعيه، تسهم في بلورة العلاقات الاجتماعية كل موسم. وهذا ما نحتاجه الآن.

ما المقياظ؟

يقصد بالقيظ: موسم الحر الشديد، والمقياظ، هو موسم جني كثير من المحصولات الزراعية في منطقة نجد (منطقة الرياض وما حولها)، وهي منطقة تشتهر تاريخياً بالزراعة، ومن أهمها نخيل التمور، ولذا يسمى هذا الموسم بالمقياظ لارتباطه بتفاعل اجتماعي ونشاط اقتصادي دائب. وسمي القيظ لوقوعه في أيام موسم الحر الشديد (من 1 أغسطس حتى 15 سبتمبر). ولذلك يسمى شهر يوليو “طبَّاخ التمر” لشدة الحر فيه، وما بعده يسمى “موسم الرطب”، وهو في الواقع موسم نضج الفواكه الصيفية، ومن أشهرها: العنب، والتين، والترنج، والجح (الحبحب)، والشمام…، ويعد العنب من أهم المحاصيل الزراعية الصيفية.

ولكن موسم نضج الرطب ارتبط بنجم سهيل، ومعروف أن ظهور نجم سهيل (يبدأ 25 أغسطس، ويستمر 53 يوماً) هو علامة نضج الرطب، ومن الأمثال الشعبية الشهيرة: “إذا طلع سهيل، تلمس الرطب بالليل”، وقد حدث أن ظهر سهيل ولكن لم ينضج الرطب، فوثقها التاريخ، يقول ابن بشر في عام 1108هـ: “وفيها تأخر نضاج الرطب في النخل، ولم يشبع الناس إلا بعد سبعة عشر يوماً من ظهور سهيل”[1].

وقد تغير هذا المفهوم في العصر الحديث، حيث طور المزارعين أساليب الزراعة، واستقطبوا أنواعاً من النخيل ينضج رطبها مبكراً، وأحياناُ قبل ظهور سهيل، مثل روثانة المدينة والسلج، وبعضها يتأخر في النضوج، مثل الهلالية، بحيث يمكن لمزارعي النخيل أن يتقيظوا مدة ثلاثة أشهر، (أواخر أغسطس وسبتمبر واكتوبر)[2].

والمقياظ موسم ديناميكي يتسم بالضجيج الاجتماعي بين منادي بسلعة أو داعي ضيوف، وليس صياح حرب كما يحصل في مواسم الربيع، ويصفه الشاعر الشعبي حميدان الشويعر:

محلى صياح القيظ وردٍ وصادر والا فصيحات الربيع تروع

الرمزية الاجتماعية للمقياظ

تكثفت المعاني الرمزية الشعبية لموسم نضج الرطب بأنه موسم الرخاء والأمن والتقاء الأحبة وتبادل الزيارات والاستجمام بعد عناء الفلاحة وتقليل النشاط اليومي بسبب شدة الحر، وأهم مواسم تماسك الأسر يأتي في هذا الموسم لاشتراكها في جميع مراحل زراعة نخيل التمور وجني ثماره، وقد جسدت الذاكرة الشعبية هذه الظاهرة في مجموعة أمثال وأشعار تعكس المزاج العام للمقياظ، وقد رصد كثير منها كتاب “معجم النخلة في المأثور الشعبي” (2018) لمحمد بن ناصر العبودي. يقول المثل الشعبي “أنا من خوالي إذا طاح الرطب، ومن أعمامي إذا اهتز القنا”. وذلك لارتباط المقياظ بسلسلة من التفاعل الاجتماعي والاقتصادي الذي يمنح المجتمع حيويته ويحقق ذاته بإنتاجه المحلي، حتى تحولت الهوية من الموسم إلى النخلة التي تعتبر أهم عناصر المقياظ ومحور ارتكاز منظومته القيمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

طقوس المجتمع في المقياظ

كانت مرحلة ما قبل القيظ، ثم موسم خراف التمر والاستمتاع بالمقياظ من مواسم الاحتفال بين الفلاحين “الفلاليح”؛ لأنه ثمرة جهد موسم زراعي طويل ومكلف مادياً، ولأنه احتفاء بسلامة النخيل من الآفات التي قد تصيبها، وليس لديهم إمكانيات عالية لمقاومتها، ولأنه يجسد أعلى درجات الكسب بعرق الجبين، كما أن النخيل كانت تعد من أبرز مظاهر الثراء والوجاهة. وكانوا يتباشرون بأول حبة تمر تلوّن (أي تتحول من اللون الأخضر إلى الأصفر)، وقد يسمونها البشرة، أي من البشارة، ومن عادات أهل النخيل أن يقدمون بالتمرة التي لونت إلى كبير الأسرة، قدراً أو سناً، ليأكلها تفاؤلاً به. ثم تدخل مرحلة بداية المقياظ، وهي تنقيط البسر (أي تحول جزء من اللون الأصفر إلى الرطب)، وتسمى بداية الرطب ويقال عنها: رطَّب التمر، ويحتفون بها كما يحتفون بالبشرة، ثم يدخل موسم المقياظ الرسمي، وهي أطول مواسم الرطب، وهو انتشار الرطب، وأفضله ما انتصفت فيه التمرة؛ أي نصفها بسر ونصفها رطب، وتسمى المنصف.

والمقياظ يعد أهم نقطة التقاء بين البادية والحاضرة، إذ يصعب على البدو الرحل التنقل في موسم الحر الشديد، فيمكثون في أطرف البلدان ويتبادلون ويرتادون أسواقها لبيع منتجاتهم وشراء ما يحتاجونه، وتشرب إبلهم من مياه الآبار، ثم يغادرون بعد طلوع نجم سهيل، عندن يبرد الجو ويدخل موسم الأمطار.

سياحة الأمراء والشعب

يعتبر المقياظ من أهم المكونات الاجتماعية التي يشترك فيها جميع طبقات المجتمع، إذ كانت أخبار المقياظ تؤرخ في تواريخ نجد لرمزيتها الاجتماعية، بل كان مقياظ نجد جاذباً لمن هم خارجها، إذ يذكر المؤرخ عثمان بن بشر في تاريخه “عنوان المجد في تاريخ نجد” أن سعدون بن غرير، وهو أمير الأحساء، ظهر على نجد عام 1032هـ، وقاظ فيها. وفي عام 1118هـ، قاظ نجم بن عبيدالله بن ربيعة في ثادق.

وكان من عادات الناس وأمراء البلدان، والحضر والبدو أن يتأهبون لموسم نضج التمر، ليقيموا مدة طويلة بين النخيل، للاستمتاع بأجواء القرية في المساء، وأكل التمر في موسمه، وتبادل الأخبار على جلسات القهوة والرطب والماء، عدة مرات باليوم، ويلتقون عادة إما وسط نخيلهم، أو في الوديان النظيفة. ويشجعهم على تأصيل هذه العادة أن الرطب ينبغي أن يقطف، وهذا يسمى الخراف، في حينه يومياً، وإلا فسد في عذوق النخل، وأن الحر يكون شديداً مما يعيق تحركات الناس في زمن لا مكيفات فيه ولا وسائل تنقل مريحة. لذلك يتبادل الناس الزيارات في القرى والبلدان، لشرب القهوة وتناول التمر طوال اليوم.

وهو موسم اجتماعي واقتصادي كبير ينتظره الناس سنوياً، حيث يتطلب إجراء عدد من التقاليد الاجتماعية والمهن الموسمية التي تتطلب عمالاً للعمل في خراف النخل (الخراف هو عملية جني الرطب من عذوق النخل) يومياً، والأكل منه، وإهداء بعضه، وبيعه، وتجفيفه، وعمل منه صناعة تحويلية، وكنزه (كنز التمر ويسمى الكنيز هو عملية تخزين التمر المضغوط على بعضه بطريقة تتم على مراحل من الفرز والتنظيف والتجفيف وكبس التمر مع تقليبه كل بضعة أيام، ويستخرج دبس التمر من هذه العملية) لاستخدام الفائض منه في الشتاء إلى أن يأتي الموسم التالي.

ويمكن اعتبار موسم القيظ أهم مواسم سياحية المحلية التي تحتم على كثير من الناس والأعيان اقتناص الفرصة الوحيدة في السنة للاستجمام وإعطاء النفس حقها من الراحة، وتناول الفاكهة النجدية في موسم نضجها، التي تعد من أفضل المناطق الزراعية في العصر الوسيط، وقد تحدث ياقوت الحموي في كتاب “معجم البلدان” عن المنتوجات الزراعية النجدية كثيراً، وأهمها نخيل التمور.

سوق اقتصادي

كانت الدولة في بداية تأسيسها وقبل عصر النفط ترسل مندوبيها لخرص تمور النخيل لتقدير زكاتها، والخرص هو الحدس والتخمين لتقدير قيمة شيء يصعب عده بدقة، مثل التمور في النخيل، وصار الخرص والخراص مهنة حكومية موسمية يثوم بها مندوبين من الدولة للاطلاع على النخيل، وعادة ما يكون أهل الخراص شخصين إلى ثلاثة، ويطلعون على نخيل الأسر والأعيان، نخلاً نخلاً لتقدير زكاتها بالنظر إليها والتشاور بين اللجنة بحسب خبراتها، وثم قبض المبلغ التقديري أو أخذ كمية من المحصول تعادل 2,5% وهي النسبة المقدرة لزكاة تمور النخيل. وهذا مصدر دخل للميزانية العامة. ونظراً لهشاشة معيار خراص التمر فقد كانت عملية مضنية على جميع الأطراف، حيث يتضرر أصحاب النخيل من التقديرات المرتفعة، ويرفع كثير منهم برقيات إلى الملك للاحتجاج على ظلم اللجنة أو تواطئها ضده. وتظهر تفاعلات اجتماعية واقتصادية كثيرة أثناء عمليات خراص التمور، إذ تبرز موجة لتبادل المعلومات بين أصحاب النخيل في البلدان، والسؤال عن اللجان وطبائعهم ومحاولة بناء علاقات اجتماعية معهم بسبب صلاحياتهم الكبيرة، كما يبرز توصيات حسابية وتقنيات تقليدية لأساليب ضمان تخفيض تقدير زكاة التمور أو لعدم زيادتها.

وقد يمنح الملك زكاة بلد من التمر إلى أمير البلد لسنة محددة، أو يعفيهم إذا أصاب نخيلهم أمراض أو شح المطر، أو يعيد توزيع كميات منه على شيوخ البادية، بحسب مواقعهم الاجتماعية في الدولة أو بحسب حجم عدد أفراد القبيلة، وقد اطلعت على وثائق كثيرة من الملك عبدالعزيز لتنظيم خراص التمور أو توزيعها على بعض شيوخ القبائل.

وينشط سوق التمور، وهو سوق مخصص لبيع التمور في كل بلد، في موسم المقياظ، وتتميز بعض البلدان بجودة تمورها فتكون محطة تصدير لباقي البلدان كالأحساء والقصيم وبيشة، فتخرج منها قوافل من الإبل محملة بأنواع التمور، ثم صارت تنقل على سيارات لوري، ثم تطورت وسائل النقل تبعاً لتطور الطرق. كما يزداد الطلب على العمال المدربين على جنى التمر، ويسمى خراف التمر، وهو وظيفة موسمية لاشتداد الطلب عليها، وما زاد من التمور يتم كنزه وتخزينه لاستخراج دبس التمر منه ولأكله في أيام الشتاء، أو تبريده وتخزينه رطباً، ويسمى (حويل) أي دار عليه الحول، وقد يتحول جزء منه إلى صناعات تحويلية.

أخيراً

تعتبر تمور النخيل من أبرز العناصر المادية لهوية المجتمع، ويرتبط بها نظام حياة اجتماعية واقتصادية وقيم ومنتج أدبي وصور ذهنية، تشكل منها تراث شعبي غير مادي، تستحق أن يعاد اكتشافها، وتوثيقها، ودعم إعادة الحياة الاجتماعية وتوفير الوظائف الموسمية في جميع البلدان. ويكفي أن التمر مع البر من المنتجات الزراعية والغذائية المتجذرة في عمق المجتمع وملتصقة بحياة الإنسان عبر القرون، قبل أن تدخل الأغذية المستوردة كالقهوة والأرز والشاي، وتنتزع المكانة الرمزية منها.

إن إعادة إنتاج موسم المقياظ بكل تفاصيله، كنموذج لهوية المجتمع التاريخية، من خلال تنشيطه في بعض المحافظات، سوف يجذب الزائر الأجنبي المولع عادة بالتعرف على ثقافات الشعوب، وسوف يعطي الحياة الاجتماعية للآباء “معنى” لدى الأجيال الجديدة التي بدأت تتجه لنزع المعاني الرمزية من الظواهر الاجتماعية، بسبب مقارنتها بجاذبية العولمة وعالم الاستهلاك والرفاه.