جرائم بلا ضحايا

جرائم بلا ضحايا

للدولة خطاب سياسي وأمني مخطط له، يهدف بوضوح إلى تأمين المجتمع واقتصاده، وبالتالي لها حق احتكار إدارة الأزمة، ومن ثم فالتصريحات والنصائح والتوجيهات الرسمية جزء أمني ورئيس من إدارة الأزمة، ولا ينبغي لأحد أن يوجه المجتمع أو يؤدلج الأزمة..

يقصد بمصطلح جريمة بلا ضحايا أو جريمة في حق المجتمع Victimless Crimes، الأفعال التي تلحق الضرر بقيم المجتمع أو بالذوق العام، وسميت بلا ضحايا لأنه ليس لها ضحية محددة أو خصم معروف يمكن أن يرفع دعوى تخصه قانونياً، ويضرب أمثلة بتعاطي المخدرات مثلاً. ولا يوجد تحديد متفق عليه لهذه الأنواع من الجرائم، إلا أن عالم الاجتماع إدوين شور، وهو الذي سك المصطلح، يؤكد على ضرورة تجريم مثل هذه الأفعال بهدف الحفاظ على معايير المجتمع وأخلاقياته العليا، وتحقيقاً للسلام والأمن الاجتماعي.

يتعرض المجتمع لنوع جديد من الجرائم بلا ضحايا من خلال شكل من أشكال الجرائم المعلوماتية، الذي يتمثل في مخاطبة المجتمع وتوجيهه والتأثير عليه عبر البث المباشر من تطبيقات التواصل الاجتماعي، من قبل مشاهير أو غير مشاهير لا يملكون صلاحيات رسمية بذلك، دون الوعي الكافي بما لهم وما عليهم من حقوق عامة، وقد تسبب كثرة التصريح والتصوير والبث من أجل تحقيق الانتشار في كثرة الجرائم بلا ضحايا تحت ذريعة حسن النوايا أو المزاح.

ولأن هذا النوع من الجرائم يفتقر إلى وجود مدعٍ، فإن مؤسسات الدولة تقوم غالباً بدور الادعاء مثل النيابة العامة أو الجهة المخولة بحماية المزاج العام للمجتمع أثناء الأزمات، وذلك لأن المزاج العام أثناء الأزمات يكون مستعداً لتلقي أي نوع من الإشاعات ونشرها بسرعة، وتكون القابلية للهلع أكثر من أوقات السلم.

تكون الجرائم بلا ضحايا أكثر إيلاماً عندما تصدر من أبناء المجتمع في أزمنة الكوارث وانتشار الأوبئة، حيث يقللون من أهمية جدية الإجراءات الرسمية، أو يغرسون أجنداتهم في الأزمات، ويكون تأثيرهم على العامة كبيراً؛ لأن لغة خطابهم لمتابعيهم -وهم غالباً من البسطاء وصغار السن- سهلة ومفهومة وأكثر سلاسة من التوعية والقرارات الرسمية.

اتخذت إجراءات السياسة العليا لإدارة أزمة كورونا قراراً بتجريم الجرائم بلا ضحايا المتمثلة في الجرائم المعلوماتية التي تقع في هذا السياق، وهي تعد بشكل أمني آخر: مناهضة خطاب الدولة وسياساتها، بل خطاب العالم وسياساته العليا في لحظات حرجة، إذ للدولة خطاب سياسي وأمني مخطط له، يهدف بوضوح إلى تأمين المجتمع واقتصاده، وبالتالي لها حق احتكار إدارة الأزمة، ومن ثم فالتصريحات والنصائح والتوجيهات الرسمية جزء أمني ورئيس من إدارة الأزمة، ولا ينبغي لأحد أن يوجه المجتمع أو يؤدلج الأزمة أو يسخر من الإجراءات، وخاصة أن المملكة تواجه عداوات وخصوم خارجية لن تفوت الفرصة لإيقاع الأذى وإحداث الارتباك الشعبي بأي شكل، من خلال استخدام بعض المواطنين الذين لا يدركون أبعاد سلوكهم وحجم تأثيرهم.

وقد أطلق حساب الأمن العام في تويتر موضوع (في قبضة رجال الأمن)، ويتمثل في نشر الحالات المقبوض عليها، وأكثرها حالات تصوير وقائع غير حقيقية، أو التفاخر بعدم تنفيذ قرار حظر التجول، أو مقاطع مؤدلجة للوباء، وتختم كل حالة بعبارة “تم القبض”، ولهذا نشأ وسم (هاشتاق) #تم_القبض.

وتكرر المؤسسة الأمنية تحذيراتها من مخاطر إرباك المجتمع بمثل هذا النوع من الجرائم، وأن من يفعل ذلك أو يخالف التوجيهات سوف يتعرض للملاحقة الأمنية، بهدف حفظ الأمن العام والتقليل من المؤثرات السلبية التي يمكن أن تمارس ضغطاً على المواطنين في ظل الأزمة التي يعيشها العالم والمملكة حالياً، فالأمن ليس شيئاً مادياً فقط، بل يمتد للحفاظ على الحالة النفسية والمعنوية للشعب، ومحاربة كل السلوكيات التي تهدد السلام والأمن والأمان في توقيت الأزمات والحروب.