أدلجة الأوبئة

أدلجة الأوبئة

كتبت سايمون رشتون مقالاً بعنوان “الأمن الصحي العالمي: الأمن لمن؟ والأمن من ماذا؟” (2011)، وأشارت فيه إلى تزايد الاهتمام بالأمن الصحي، وارتباطه بتهديدات الأمراض المعدية العابرة للحدود. وهناك عدد من التصورات حول مفهوم الأمن الصحي العالمي، منها تلك الخاصة بالربط بين هذا المفهوم وبعض التوجهات الأيديولوجية، وتشير هذه الرؤية إلى أن هناك مضامين أيديولوجية في مفهوم الأمن الصحي العالمي، ترتبط بتأمين الدول الغربية من عبور الأمراض المعدية لهم من خلال بعض دول العالم النامي، أو حماية صحة شمال العالم من أوبئة جنوبه.

يعتبر مضمون مقالة “الأمن الصحي العالمي” نموذجاً لمحاولة أدلجة الأوبئة وربطها بالعنصرية العرقية والجغرافية، ويعتبر واقع وباء كورونا أحد النماذج الحية التي تؤكد أن الوباء عابر للحدود ولا يرتبط بعرق ولا منطقة ولا دين ولا طبقات اجتماعية.

منذ انتشار وباء كورونا ومحاولات التفسير الأيديولوجي لم تتوقف، حيث يربطها البعض بالمؤامرات السياسية والاقتصادية، إلا أن أكثرها ألماً هو الأيديولوجيا العرقية والدينية، وسوف أشير إلى ثلاثة أمثلة على ثلاثة مستويات محلية وعربية وعالمية:

علق بعض المغردين على السعوديين القادمين من إيران ولم يفصحوا عن جهة قدومهم، مما تسبب في نشر المرض في القطيف، مع أن الدولة احتوت الموقف أمنياً وصحياً. لأن استدعاء العرقية والطائفية في الأزمات والكوارث لا يخدم الصالح العام.

وتداول المجتمع في تطبيقات تويتر وواتساب بشكل واسع خاطرة تقول: “سبحان الله، كأن هذا الفايروس جاء يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر! وما يعلم جنود ربك إلا هو. أغلق أماكن اللهو والاختلاط وأغلق الشيش والمعسلات، ومنع الازدحام، وأمر بتغطية الوجه، وأمر بالقرار بالبيوت، فسبحان الواحد الأحد”. وهو نص يعكس النرجسية الدينية لدى بعض العوام، بشكل حجب عنهم الرؤية كاملة، حيث نظر للوباء من منظور ضيق ونسب رؤيته الضيقة للدين، لذلك يرفض أن يعترف أن الفيروس نفسه أغلق المساجد، ومنع الجمع والجماعة، وأوقف الطواف بالحرم.

وأشهر مثال عربي يتمثل في مقطع فيديو متداول عربياً عن إنزال سائح صيني من سيارة أجرة، وعدم حصوله على سيارة أجرة تنقله من بين عشرات السيارات المحيطة به، والتعامل معه بنفي اجتماعي استناداً إلى أن الفيروس انتشر من الصين.

أما أكثر حدث عالمي وصف بالعنصرية فجاء من تغريدة على تويتر من حساب الرئيس الأميركي عندما وصف كورونا بأنه “الوباء الصيني”، مما جعل الحكومة الصينية ترفض هذا الوصف من ترمب، ووصم الصين به، مؤكدة أن الوباء لا ينبغي أن ينسب لدولة. وأكدت منظمة الصحة العالمية هذا بتصريح (مارس 2020) يؤكد أن المنظمة واضحة منذ بداية تفشي الوباء، أن الفيروسات لا تعرف حدوداً، ولا تهتم بعرقك أو لون بشرتك أو ثروتك.

قد تكون الإيديولوجيات مفهومة في أوقات السلم والرخاء، وقد يكون لها جوانب إيجابية، إلا أنها ينبغي أن تغيب في الأزمات، وتحتاج المجتمعات والشعوب إلى ما يجمعها، وليس ما يفرقها، وهذا الوباء العالمي لن يقضى عليه صحياً إلا بعد القضاء عليه اجتماعياً من خلال التضامن وتغليب المصالح العليا على جميع الإيديولوجيات والنفي الاجتماعي.