الهياط والتبذير في الولائم

الهياط والتبذير في الولائم

د. عبدالرحمن الشقير

ترجع اهتمامات علم الاجتماع والانثروبولوجيا بالطعام ودوره في حياة الإنسان اليومية، إلى أنه لا يمثل حاجة بيولوجية فقط، بل تحول إلى ثقافة ونمط استهلاك وتنظيم شبكة العلاقات وتوزيع الأدوار المنزلية ومجال لقضاء أوقات الفراغ، ثم علاقته بالصحة والمرض، ثم دخوله في الفضاء السياسي من خلال قضايا: حقوق الحيوان ونظام الأكل النباتي والأطعمة المهدرجة والمعدلة وراثياً.

يرجع الاهتمام بالمؤلفات عن الطعام في التراث العربي إلى زمن الدولة الأموية وما بعد، وازدهر وتطور في الأندلس، ومن أبرزها: “فضالة الخِوان في طيبات الطعام والأولان” لابن رزين التجيبي، من أهل القرن الثالث الهجري، وتركز مؤلفات الطعام في التراث على موضوعات كيفية إعداد الأطعمة وطبخها، والاشتراطات الصحية للطهاة، وآداب المائدة، والأحكام الفقهية المتعلقة بها، إضافة إلى جمع طرائف الطفيليين، وهم الشخصيات الشعبية المشهورة بالأكل وحضور الولائم التي لم يدعوا لها، ولمحمد بن زكريا الرازي مؤلفات مخطوطة في الأغذية الصحية، مثل: “أغذية المرضى”، و”تقديم الفواكه قبل الأطعمة”، و”منافع الأغذية ومضارها”.

وبعد انتشار منتديات الأنترنت المتخصصة في الطبخ، ثم تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل انستغرام وسناب شات برزت مئات الحسابات لطباخين هواة حققوا شهرة وجماهيرية، مما جعل حساباتهم منصة للدعاية والإعلان عن أصناف الأغذية ومكوناتها، وبالتالي صارت ظاهرة اجتماعية تستحق الدراسات المعمقة والتعرف على القوانين الاجتماعية التي تحكمها.

انتشر في السنوات الأخيرة ظاهرة الإسراف والتبذير في إكرام الضيوف وتصوير مظاهر الكرم الشكلاني وبثها عبر وسائل التواصل بوصفها أمراً جيداً يستحق النشر والتداول والمباهاة والمفاخرة من خلال ظهور الشخص بمظهر القدرة على الاستهلاك المظهري ومحاولة إضفاء قيم الكرم الأصيل على سلوكه. وتكمن خطورة هذه المبالغات في إيجاد مفهوم شعبي تداخل فيه التبذير والإسراف المسمى (الهياط)، وللهياط أشكال كثيرة ومتنوعة إلا أن هذه المقالة مخصصة عن هياط الولائم، وقد يكون هذا الهياط بحضور شخصيات رسمية كبيرة، مما يتوقع منها عدم الوقوع في مثل هذا الموقف من الأصل من خلال يقظة إدارات البروتوكولات والمراسم، أو تسجيل موقف رافض للتبذير.

مفهوم الهياط

جاء في “معجم مقاييس اللغة” لابن فارس: “هيط: الهاء والياء والطاء كلمتان، إحداهما: الهِياط: الصياح، والأخرى كلمة حكاها الفراء: تهايط القوم: اجتمعوا لإصلاح ما بينهم”[1]. وهذا التعريف يؤكد على وجود كلمة هياط في القاموس اللغوي، ولكن معناها يختلف قليلاً عن استخداماتها اليوم، ولكنها مؤشر على إمكانية إعادة إنتاج بعض الكلمات الخاملة الاستخدام في الحياة اليومية، ولا توجد إلا قاموسياً، ويبدو أنه أعيد إنتاج كلمة الهياط في المجتمع السعودي، واستخدمت شعبياً للتعبير عن رفض ظاهرة اجتماعية واقتصادية.

يمكن تعريف الهياط بالتالي: ظهور الشخص أو الجماعة في حالة استهلاك مظهري غير عقلاني، من خلال استعراض ممتلكات تفوق واقعه، سواء في المال أو العلاقات أو المعلومات وما شابهها. وفي حال الهياط في الولائم، فتعريفها التالي: إظهار الإكرام لشخص أو أشخاص بشكل مفرط وخارج عن المألوف باستخدام طرق كمية أو كيفية، وتصوير ذلك وتوثيقه ونشره.

ومن أشهر تلك أشكال الهياط المتداولة الكيفية: غسيل اليدين بدهن العود، وحز أكياس الهيل الفاخر ونثرها أمام الضيف، أما أشكالها الكمية وأكثرها تكراراً كمية صحون الطعام المظهرية التي تقام للضيوف، ونحر الإبل والأغنام الكثيرة.

محاولة لفهم أسبابها

يظهر من حالات استعراض القدرات المالية في إكرام الضيوف أنها ناتجة من البحث عن مكانة اجتماعية ومحاولة نيل اعتراف المجتمع المحيط بالشخص بالحصول على ألقاب الكرم أو الوجاهة، ويبدو أن تزامن ظهور الهياط، أو ازدهاره في زمن الطفرة الاقتصادية الثانية التي عاشتها المملكة بين عامي (2007- 2015م) تعطي مؤشراً على الإثراء المفاجئ أو الحصول على تدفق أموال مستمر بطرق سهلة وغير مبذول جهد فيها.

ويمكن التعرف على بعض الفروقات في أنواع الهياط، ما بين محاولة إظهار المبالغة في إكرام الضيوف، وما بين الاستهانة بقيمة الأشياء، خاصة في حالات مصورة وموثقة وتم بثها، مثل: إطعام الإبل أموالاً نقدية، أو تلبيسها بالذهب، أو رمي الأموال النقدية الكبيرة على رضيع في المهاد.

ويحاول بعض من يمارس الهياط أو من يؤيده تبرير إضفاء الشرعية الاجتماعية بأنه من كرم الضيافة التي تحث عليها القيم العربية، وهذا وإن حقق جانب من الصحة، إلا أن قيمة الإسراف والتبذير من القيم المنهي عنها في تعاليم الإسلام، كما أن العقلانية تعد سمة العصر الحديث، وهي ترفض قيم المبالغة وهدر المال، وينبغي إعادة تعريف قيم الكرم والضيافة بما يتناسب مع روح العصر.

الخسائر المترتبة عليها

تقدر الخسائر الاقتصادية أن قيمة الفاقد والهدر الغذائي بالمملكة بـحدود خمسين مليار ريال سنوياً حسب الورقة المقدمة من وزارة الزراعة في ورشة الحد من الفقد والهدر الغذائي، وهذا هدر لثروة حقيقية تؤثر على الناتج القومي للدولة، ولكنه جاء على شكل فردي. أما الخسائر الاجتماعية فهي خسائر رمزية تظهر المجتمع بصورة سلبية ومتناقضة مع تعاليم الإسلام، وتسيء لصورة المواطن في الدول التي تعاني من الفقر والجوع.

ومن المهم مراعاة الفرق بين الاستهلاك والإهلاك، فالاستهلاك في المواد الغذائية، مثلاً، يعني شراء مادة غذائية تقاس بالكيلو أو بالكرتون، في حين أن الإهلاك يعني ما تم استخدامه فعلياً، فإذا اشترى الإنسان كرتون فاكهة تفاح، وأكل نصفها وفسد النصف الآخر، فإنه استهلك النصف وأهلك النصف، والإهلاك هو الهدر. في حين أن الهياط يقوم على مؤشرات اجتماعية واقتصادية تعتمد أساساً على استهلاك كميات تفوق حاجة المدعوين بشكل مضاعف ومفرط، وتعتمد أيضاً على التصوير والتوثيق والنشر بهدف الإبهار.

التحليل الاجتماعي للظاهرة

تبدأ عملية التفاخر بالتبذير من خلال تقديم الأكل أو إكرام الضيف بطريقة غير عقلانية، أما من حيث الكمية أو النوعية التي تقدم بها، وتصاحب عملية الضيافة تصوير ثم نشرها للتداول، ويرى المضيف أن ما قام به يعتبر تكريماً وأمراً جيداً ومتوارثاً من العادات والتقاليد، ومن ثم فهو يتوقع أن يحظى بالتقدير والثناء الاجتماعي. بعد تلقي المجتمع للصور يبدأ المجتمع في تقييمها، وغالباً ما يقيمها بالرفض والنقد، ولذلك أطلق عليها كلمة “هياط” وهو مصطلح شعبي يفسر حجم الرفض للظاهرة، ولوحظ أيضأ أن الرد الشعبي على ظاهرة “الهياط” يتخذ مسارين هما، التذكير بموقف الإسلام من التبذير والنهي عنه، والموقف الآخر هو استحضار مواقف مثالية وبسيطة لشخصيات جماهيرية. ومن هنا تحدث الصدمة الاجتماعية المتمثلة في عدم التوافق بين الضيافة المبالغ فيها والتي تستند على عادات متوارثة تظهر القوة الاجتماعية والاقتصادية، وبين مجتمع متحضر يرفض هذه العادات ويعتبرها منافية لمبدأ الكرم وقيم الإسلام التي تنهى عن التبذير.

من منظور اجتماعي لا تُفسر هذه الظاهرة بالإسراف والتبذير، وإنما يمكن تفسيرها بمجتمع الصورة، وتتمثل في تركيز عرض طعام الوليمة من خلال التقاط الصور التي تعكس كثافتها وقدرة من قام بها مالياً، وبثها للجمهور، في محاولة إبراز المكانة الاجتماعية والاقتصادية العالية، وانتشار الصورة صارت سمة للمجتمع الحديث. ويبدو أن الاحتجاج الشعبي يصدر من خلال تقدير أن من قام بعملية التبذير “الهياط” لا يتواكب اجتماعياً واقتصادياً مع سلوكه وأنه متكلف. إذ أن هناك سلوكيات مباهاة ضخمة مثل طلاء السيارات بالذهب وإقامة الحفلات الباذخة، ولكنها لا تتلقى احتجاجاً قوياً ليس لأنها تنتمي لطبقات اجتماعية عليا ومقتدرة مادياً، وإنما لأن ولائم الهياط تضرب في قيم الطبقة الوسطى التي تصنف بأنها حامي العادات والتقاليد المحافظة.

ويوجد نظرية اجتماعية تفسر الاستعراض بالصور، ففي كتاب “مجتمع الفرجة: الانسان المعاصر في زمن الاستعراض” لعالم الاجتماع الفرنسي جي ديبور، يشير فيه إلى أن الناس صارت تستخدم الصورة لتزييف المجتمع الواقعي، والظهور بمظهر استهلاكي دعائي.

ومن زاوية أخرى يوجد إيجابيات لانتشار الصورة أن المجتمع يمر بمرحلة مخاض وتغير سريع، ومن الطبيعي أن تظهر سلوكيات لا تتناسب مع هذا التغير، وهي فرصة لمتخذ القرار أن يرصد الظواهر السلبية التي تصاحب عمليات التغير في حينها وأولاً بأول، ومعالجتها بصناعة أنظمة وتغيير عادات ونشر قيم جديدة متواكبة مع التحديث والتنمية، ودمجها في مناهج التعليم، لضمان الوصول إلى مجتمع متجانس، ومتواكب مع التنمية والتحديث.

الحلول المقترحة للحد من الهياط والهدر

مثل هذه الظواهر لا تحل بقرار ولا حتى توعية، وإنما من خلال منظومة قيمية تستهدف الأجيال القادمة، مثل: وضع نظام قواعد السلوك وآدابه (الإتيكيت والبروتوكول)، وتراعى فيه الدبلوماسية السعودية وخاصة في الأماكن التي يوجد فيها تصوير رسمي أو شخصي، ويعمم على جميع المؤسسات والهيئات الحكومية، بحيث يراعى معايير السلوك الدبلوماسي الرسمي، ويلتزم به جميع المسؤولين، وممثلي الدولة الرسميين، ومن يتولى إعداد المناسبات بحضورهم.

وإقرار نظام يهدف إلى إعطاء القيمة للمواد الغذائية ومنع كل أشكال التبذير، وضمان استعمال هذه المواد فيما يعود بالنفع على المصلحة العامة من خلال جهود البلديات والمؤسسات المشرفة على المطاعم والمقاهي. وخاصة أنه يوجد عدد من الدول لديها أنظمة وقوانين لفائض الأطعمة ومعاقبة التبذير.

حث وزارة التعليم على مواكبة التغيرات في المجتمع السعودي ورصدها، ودمج الإصلاحات المطلوبة في مناهجها ومقرراتها الصفية واللاصفية، ومن أهمها نشر ثقافة الاقتصاد في الطعام وحسن إدارة الفائض منه.

وأخيراً، دعم الجمعيات والمؤسسات الخيرية المعنية بحفظ النعمة باتباع أساليب صحية، وتشجيع انتشارها.


[1] ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبدالسلام هارون، بيروت: دار الفكر، ج 6 ص 24