“فرجت” ورأس المال الاجتماعي

“فرجت” ورأس المال الاجتماعي

تعد مبادرة “فرجت” من أهم المؤشرات التي يقاس بها رأس المال الاجتماعي في المملكة، وذلك لأنها تتكون من شبكة اجتماعية متضامنة لدفع مبالغ مالية بإرادة ذاتية من قبل أشخاص لا يعرف بعضهم البعض من أجل سداد دين سجين..

تؤكد رؤية المملكة 2030 على الارتقاء بمؤشر رأس المال الاجتماعي من المرتبة 26 إلى المرتبة 10 (ص 31)، وعلى الرغم من تباين علماء الاجتماع في مفهوم رأس المال الاجتماعي، إلا أن المفهوم الذي قدمه روبرت بوتنام يؤكد بوضوح على أن رأس المال الاجتماعي يمثّل شبكة من العلاقات الاجتماعية لها مشاركة مدنية مبنية على الثقة، وخصوصاً الثقة بين الغرباء، ولها تأثير في إنتاجية المجتمع. وعنصر الثقة بين أعضاء الشبكة الاجتماعية مهم في بناء رأس المال الاجتماعي عند بوتنام.

أما جيمس كولمان فهو يرى أن رأس المال الاجتماعي يوجد على شكل علاقات اجتماعية، ويتشكل من خلال أفراد المجتمع، وهو يبنى على التزامات الأفراد فيما بينهم، وما هو متوقع من كل فرد منهم فيما يعود على تحقيق النفع العام. ويرى بورديو أن رأس المال الاجتماعي يتكون من رصيد من العلاقات الاجتماعية وقيم التعاون التي تتحول تلقائياً إلى رأس مال اقتصادي، يعود بالفائدة لصاحبه.

وبما أن رأس المال الاجتماعي مرتبط بصلابة قيم المجتمع، من خلال تضامن الأفراد مع الآخرين في الأزمات، فإننا نجد هذا منعكساً في مبادرة فرجت. إذ تعد مبادرة “فرجت” من خلال تطبيق “أبشر” من أهم المؤشرات التي يقاس بها رأس المال الاجتماعي في المملكة، وذلك لأنها تتكون من شبكة اجتماعية متضامنة لدفع مبالغ مالية بإرادة ذاتية من قبل أشخاص لا يعرف بعضهم البعض من أجل سداد دين سجين، بضمانة الدولة، وقد تحولت من مبادرة إلى مؤسسة إصلاحية على شكل تطبيق تقني.

أطلقت مبادرة فرجت في رمضان من عام 1440هـ، بهدف إتاحة الفرصة لكل من يرغب من المواطنين في دفع مبلغ من المال، سواء كان كثيراً أو قليلاً أو صدقة أو زكاة، بهدف المساهمة في تسديد دين لأحد المسجونين في قضية مالية غير جنائية، مع حزمة شروط تضمن عدم عودة المدين لتكرار الخطأ الذي أودعه في السجن. وبعد نجاح تلك المبادرة، بحسب الإحصاءات، والتفاعل الشعبي معها، أطلق الإصدار الثاني من فرجت في رمضان 1441هـ مطوراً.

من هذا التعريف المبسط يتضح كيف تتشكل شبكة العلاقات الاجتماعية في المشاركة المدنية الطوعية من أفراد المجتمع وفق ما هو متوقع منهم، من خلال التضامن باستخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي لإجراء عمليات تحويل مالية سريعة وآمنة.

تمثّل مبادرة فرجت واحدة من المبادرات النوعية، والقوة الناعمة في تعزيز قيم الإيثار، ونشر الثقة المتبادلة بين المتبرع والمتبرع له، وتقبل الآخرين ونفي الوصم عن السجين، وتحسين المزاج العام في المجتمع، والتواصل الاجتماعي وتنمية الشعور بالتضامن وتحقيق المسؤولية الاجتماعية لكل فرد بحسب قدرته ورغبته، مما يبني رأس مال اجتماعي قوي، ويوفر بيئة خصبة حاضنة للمبادرات الفعالة لمجتمع صحي.

تتميز بعض المبادرات الخيرية مثل فرجت بأن العائد الاجتماعي والاقتصادي منها ليس مقتصراً على السجين فقط، وإنما يمتد ليشمل المتبرع نفسه من خلال منحه الشعور بالانتماء للحقل الخيري والرضا بمساهمته في تفريج كربة معسر مالياً، وإعادة السجين لأهله وأسرته، إضافة إلى تأسيس رصيد خيري محفوظ باسمه، مع أنه ليس للنشر، وذلك لأن شعور الإنسان بقيمته الفاعلة في المجتمع سوف يدعم ظاهرة العطاء المالي والمعنوي، وينميها في جميع المجالات.

لا تقل أهمية رأس المال الاجتماعي عن أهمية رأس المال الاقتصادي، وذلك لاشتراكهما في بناء رأس مال قابل للاستثمار والادخار والربح والخسارة، وكلاهما سلع وخدمات متداولة في المجتمع، إلا أن سلع وخدمات رأس المال الاجتماعي رمزية، وتأتي على شكل علاقات اجتماعية وتنمية ثروة من المواقف الاجتماعية التي يخضع قوة صرفها في مواقف أخرى.

هذه مبادرة تستحق أن تشكر، بدءًا ممن اقترحها ونماها وشارك في تطويرها، وانتهاء بمن دعمها وأسهم فيها بماله، كما تشكر عليها وزارة الداخلية التي رعتها وأوصلت من خلالها رسالة إيجابية للمجتمع في أن دور الوزارة يمتد إلى المسؤولية الاجتماعية، ودعم أفراد المجتمع وتحقيق أمنه الاجتماعي، واستقراره الأسري.