تتعرض المجتمعات لحوادث غير متوقعة ويستبعد تكرارها أو تحولها إلى ظاهرة، ومن أبرز سماتها أن تكون غير متوقعة ولا متكررة وشديدة التأثير السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني، إلى درجة أن تكون الحياة بعدها ليست كالحياة قبلها، ويبقى أثرها مدة طويلة، مثل: أحداث 11 سبتمبر 2011، وتسمى هذه الحالة “الأحداث الشوارد” Wild Cards وهي مأخوذة رمزياً من نظرية “البجعة السوداء” للباحث نسيم نقولا طالب التي تقول تقريباً إن عدم رؤيتك للشيء لا يعني عدم وجوده واحتمال وقوعه، ولذلك تؤكد نظرية الأحداث الشوار أن المؤسسات الحكومية والشركات والبنوك ليست محصنة من بجعة سوداء تتمثل في مخاطر أمنية كبيرة غير متوقعة.

ويمكن أن أسميها بالشوارد الأمنية لأن الأمن هو سمتها الأساسية، ولأن مراكز الدراسات الأمنية والمستقبلية هي المعنية برصد الشوارد الأمنية في كل المجالات وتوثيقها وتصنيفها، ومن ثم التعرف على اتجاهاتها ومحاولة التنبؤ بها، وتركز دراسات المعنيين بالأمن على قضايا جوهرية مثل: كيف يمكن التنبؤ بالشوارد الأمنية، ومنهجية دراستها؟، وتتسم التنبؤات بها عن المستقبليات في أنها تتطلب خيالا علميا واسعا وطرح سيناريوهات لا عقلانية.

يعرف معهد كوبنهاجن للدراسات المستقبلية الشوارد الأمنية بأنها: حدث مستقبلي ومن الصعب وقوعه، ولكنه إذا وقع يكون له تأثير كبير على الواقع والمستقبل.

ويوجد مجموعة شروط ينبغي أن تتوافر في الأحداث الشوارد مثل: ألا يتكرر الحدث، أو يتكرر نادراً وعبر أجيال، وذلك لأن تكرار الحالات سوف تحولها إلى ظاهرة مستقرة في المجتمع. وألا يكون متوقعاً من قبل الخبراء وعلماء المستقبليات، وأن يكون له تأثير كبير على المجتمع، وبالتالي فإن الشوارد الأمنية أو الأحداث الشوارد قليلة تاريخياً، ولكن رصدها يمثل فرصة كبيرة لإعادة فهم الواقع.

ولو جمعنا نماذج من ذاكرة الشوارد الأمنية في المجتمع السعودي خلال نصف قرن فإننا نسجل: حادثة الهجوم على الحرم المكي في العام 1399هـ / 1979، واحتلال العراق للكويت وانعكاساته المباشرة على المملكة في العام 1990. ويوجد حالات غير متوقعة وتأثيرها كبير ولكن عادت الحياة بعدها كما كانت قبلها، وبالتالي فقدت عنصر تصنيفها كشوارد أمنية متكاملة الشروط، مثل: حالات قتل الأهل والأقارب بين عامي 2015 و2016، وضرب معامل بقيق بطائرات الدرونز في العام 2019.

يُلاحظ أن بعض الشوارد الأمنية قد يكون متوقعاً من قبل الخبراء، ولكنه غير معروف الزمان والمكان، وبعضها مباغت وغير متوقع، مما يؤكد على وجود ضرورة للاهتمام بالشوارد الأمنية، وبناء خيال علمي واسع حول مستقبلها.

ويوجد قوائم حصرية للشوارد الأمنية جديرة بالاهتمام، من أشهرها قائمة بيترسون (1997) وقد رصد فيها (78) شاردة أمنية، وقائمة شتاين مولر في كتاب “مستقبل الأحداث الشوارد” (2003) ورصد فيها (55) شاردة أمنية، وذلك بهدف حصرها والتوصل لتعريف شامل ودقيق، وبناء مقياس للتنبؤ بالمتشابهات التي قد تحدث مستقبلاً، وتساعد على بناء تخيلات غير واقعية ولكنها مستمدة من جذور واقعية.

ويتوقع بيترسون مؤلف كتاب “الأحداث الشوارد غير المتوقعة” أن العالم سوف يواجه شوارد أمنية كثيرة وجديدة، ومن أمثلة ما أشار إليه في مجال الطب: اكتساب البكتيريا مناعة ضد المضادات الحيوية، والأوبئة العالمية، وزيادة متوسط عمر الإنسان إلى مئة عام، والتخلص من العيوب الجينية للمواليد، وفي مجال الاقتصاد يركز على أهمية توقع: انهيار الاقتصاد الأميركي، أو حدوث حرب أهلية فيها، وانهيار الأمم المتحدة، وهزيمة إسرائيل، وظهور أجيال غير متعلمة ولا فعالة، وانتهاء عصر الدولة، وفي مجال التقنية يوجه التفكير نحو توقع: سفر الأفراد بسرعة الضوء، وظهور النقد الإلكتروني كوسيلة تعامل أساسية، وتفوق الإرهاب على الدول، وقد ظهرت بعض هذه الشوارد فعلاً، ولكنها كانت مستبعدة عند تأليف الكتاب في العام 1997.

من محاذير الشوارد الأمنية أنها صعبة الرصد، وصعوبة الاتفاق على ما هو حدث شارد، وذلك نظراً لحداثة المفهوم وندرة الأدبيات حوله، ولخضوعه التام للقدرة على تحديد الأثر وإثبات الندرة، ولكن تكمن أهمية العناية بها في أنها تمنح صانع القرار فرصة توسيع دوائر الاهتمام، وتركيز الجهود في تصنيفها منهجياً، وبناء خبرات جديدة تراكمية وإتاحة الفرصة للتنظير العلمي والتنبؤ المستقبلي، وهذا لا يتحقق إلا بالتوجه نحو تأسيس مراكز دراسات أو وحدات علمية مركزة وموجهة لهدف محدد.