مراجعة كتاب بنو زيد 2

مراجعة كتاب بنو زيد 2

الكاتب : عبد الله بن محمد المنيف

 

حفل التراث الاسلامي بتعدد احزاب التأليف عنده، وكانت هذه التأليف تشمل جميع العلوم النظرية والتطبيقية واستمر هذا الازدهار وعلا شأنه حتى غدا سمة تميزت بها الامة الاسلامية في عصورها الوسطى حتى منتصف القرن الخامس الهجري، وواكب هذا الازدهار الفكري ازدهار سياسي، هو في ظني تسمية له وليس سبباً فيه لذا يذهب الكثير الى ان الاستقرار السياسي عامل مشجع للعلم و تطوره، نقول نعم هذا صحيح في جانب، اما الذي اعتقده ان التطور المعرفي والتنوع العلمي والنضج الفكري هذه تقود الى نظام سياسي واستقرار سكاني يدفع الى النهوض والعلو في شتى الجوانب.
نقول ذلك ونحن نعلم ان الامة العربية والاسلامية مازالت في ذلك الانحطاط الفكري والسياسي حتى هذه اللحظة وربما الى زمن قادم لا نعلمه، الا ان يتداركنا الله تعالى برحمته وتُهيأ السبل الى التسارع في عملية النهوض والتي نراها ليست قريبة، وللاسف فان هذا التردي الذي اصاب التأليف والانتاج الفكري يكاد يكون مطبقاً.
ولعل كتب الانساب وما ادراك ما كتب الانساب تبرز مدى عناية العرب بهذا الفن الذي اصبح من سماتهم واصابه ما اصاب فنون العرب المتعددة.
وكانت عناية العرب بهذا الفن منذ الازل وجاء الاسلام ودعا اليه كما علم مدى ما يقدمه للاسلام من خدمة، وفي الوقت نفسه قام الاسلام بدحر الانتساب اليه اوجعله زاوية للاحتكام او العصبية، بل جعل الانتماء للامة الاسلامية وليس للقبيلة.
لهذا يجد الناظر الى مصادرنا العربية المعتنية بالنسب ان اهتمامها بذلك العلم يصب في جانب كبير من جوانبه لدعم فكرة الاسلام نفسه، وجعل الحمية الى الدين وليس الى القبيلة. ثم اخذ هذا الهدف يضعف حتى جاءت الكتب المعنية بالانساب تأخذ منحى آخر، واصبح يصدر نتيجة لهذا المنحى كتب تدعو الى الشعوبية والقدح في العرب ورفع بعض الامم الاخرى كالفارسية مثلاً.
ثم يأتي العصر الحديث وتخرج لنا كتب كثيرة تعنى بالانساب وتتناولها بالشرح والدراسة ووضع الطبقات في ذلك، ولعل ما قام به فضيلة الشيخ بكر ابو زيد باصداره لكتابه «طبقات النسابين» في طبعتين دليل على ذلك.
والمطلع علي ما يصدر بين الفينة والاخرى من كتب الانساب ليعجب من مدي بعدها عن المنهج السليم المعتمد على اصول معروفة في هذا الباب، فلا يعدو المؤلف ان يحشو كتابه بالمحاسن والمناقب والاشعار غير الموثقة او البعيدة عن الحقيقة او على اقل تقدير المبالغة الممقوتة.
الا انني اطلعت هذه السنة على كتاب في الانساب ابعد عني هذه النظرة التي كنت قد حملتها وجلعتني لا التفت الى اي كتاب في الانساب لما اجده مما قلته من قبل وهذا الكتاب هو «بنو زيد: القبيلة القضاعية في حاضرة نجد» لمؤلفه الاستاذ عبدالرحمن بن عبدالله الشقير، من اصدار المؤلف لعام 1423هـ، ويقع في 492 صفحة.
اخرج هذا الكتاب فنياً بشكل رائع وفي حلة قشيبة متعددة الالوان، وعلى ورق صقيل وصف مميز وقطع معتاد. وملح بكثير من الوثائق والصور والرسومات المساعدة لفهم الكتاب وصدر الباحث كتابه بتقديم لفضيلة الشيخ الفاضل عبدالله بن سليمان المنيع، عضو هيئة كبار العلماء في المملكة، وهو ذلك العالم الديني النسابة البارع، ولا يغيب عن الذهن ان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من اعلم الناس بالحلال والحرام واول من صدق رسول الله ومع ذلك كان انسب العرب وأعلمهم بهذا الفن الذي لا تعارض فيه بين العلم والدين والعلم والنسب.
اقول ذلك لانني اسمع احياناً من يلمز بقوله ان هذا العلم لا يجب ان يهتم به علماء الدين ورجاله، مع انه لا يتعارض ألبتة مع الدين.
ويلي التقديم مقدمة بقلم المؤلف اشتملت على اهمية البحث واهدافه وموضوع البحث ومنهجه ثم دراسة للمصادر والمراجع واخيراً عناية العرب بعلم الانساب وموقف الاسلام منه. وهذا المنهج العلمي المنظم ازعم انه يندر ان تجده في اي من كتب الانساب المتأخرة سواء داخل الجزيرة العربية او خارجها مع قلة ما يصدر خارجها.
وقد قسم الباحث كتابه الى اربعة اقسام سمى الاول منها: نسب قبيلة بني زيد والقسم الثاني: بلدان بني زيد، والثالث: معجم اسرتي بني زيد، والقسم الرابع والاخير: الحياة الاجتماعية.
نعود للقسم الاول ونقول انه يقع في 83 صفحة تقريباً، تناول فيه نسب قبيلة بني زيد ثم الاشتراك اللفظي في هذا الاسم تبدأ باسم بني زيد في القبائل القحطانية، ثم بني زيد في القبائل العدنانية، فالاول به تسع قبائل يعرفون ببني زيد والثاني فيه اربع قبائل تعرف ببني زيد.
ثم ناقش بعد ذلك من اخرج بني زيد من قضاعة مستعرضاً ثلاثة اقوال الاول فيها يقول انها من تميم والثاني من عبيده والثالث من قضاعة، وتكلم عن القولين الاولين ارجأ القول على من نسب القبيلة الي قضاعة تحت عنوان: انتساب بني زيد الي قضاعة. وهنا اسهب الباحث في هذه النسبة ودعمها بأسلوب علمي رصين بعيداً عن نقد القائل لما يعارض طرحه وانما كان نقده لاقوالهم بطريقة نفتقدها كثيراً في مصادرنا البحثية الحديثة وبين الاكاديميين على وجه الخصوص.
ثم تناول الباحث في هذا القسم ايضاً قبيلة قضاعة كجد جاهلي بل انه ناقش من جعل قضاعة مثل جذمي قحطان وعدنان.
ثم تناول الخلاف في هذه القبيلة منذ صدر الاسلام، متعرضاً الى مساكنهم التي تراوحت من بلاد اليمن الى الحجاز الاوسط، ثم تناول من خلال المصادر اسباب تفرق قضاعة وتعدد اماكنهم بعد ذلك، ثم تعرض الى ابناء قضاعة بحسب رواية النسابين العرب حتى عدهم القلقشندي وقال انهم سبع قبائل منها بلي وجهينة، وكلب.
ثم تناول الباحث بعد ذلك قبيلة نهد كونها قضاعية، متعرضاً لبطونها وتداخلها مع غيرها من البطون الاخرى. ثم بلاد نهد قديماً وحديثاً. ثم الوصية التي قيل ان نهد بن زيد قد اوصى بها. ثم نهد من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم حتى القرن العاشر.
وبعد الحديث عن نهد تناول الباحث موضعاً جغرافياً مهماً يعد من الدلائل المهمة في التعرف على موطن هذه القبيلة ويعد الهجري اول من ذكرها في التعليقات والنوادر، ثم الهمداني الذي كان من اوفى من تحدث عنه. وتعد الهجيرة المدينة او البلدة هاجر منها زيد جد هذه القبيلة متجهةً نحو الحجاز ثم نجد.
وقد استعرض الباحث في ذلك اقوال المتقدمين والمتأخرين عن هذه البلدة، وما بها الآن من آثار واماكن استيطان يدل على قدمها، وجاءتها هذه الشهرة اضافة الي ما سبق انها من اماكن التعدين العربية القديمة.
ثم تناول الباحث بعد ذلك زمن قدوم زيد الي شقراء محدداً زمنه بالقرن التاسع الهجري او اوائل القرن العاشر الهجري. وقد وفق الباحث في هذا المبحث في التناول حتى قدم لنا منهجاً يجب ان لا يغيب عن ذهن العاملين في مشجرات النسب، لان هناك سؤالاً كبيراً دائماً يطرح وهو: هل بنو زيد الموجودون الآن هم من نتاج القرن التاسع واول العاشر: سؤال كبير كنت اشفق على الاخ عبدالرحمن في ان يخوض فيه الا انني بعد ما اطلعت على ما ناقشه وذهب اليه رأيت بناء على ضرب بعض الامثلة التي تناولها ان اذهب الي ما ذهب اليه الباحث من هذه القبيلة برجالها واعلامها هي من نتاج القرن التاسع واول العاشر الهجري.
ثم تناول الباحث خروج زيد من الهجيرة حتى استقراره في شقراء، وفاتنا القول ان الهجيرة هذه تعرف حالياً بالجعيفرة.
تناول الباحث هذا الخروج واسبابه ونتائجه وناقش تقريباً كل الاقوال الموثقة او التي تعتمد علي الرواية غير المدعومة علمياً او وثائقياً وقد احسن الباحث هنا بشكل منقطع النظير. ولم يخرج الباحث من هذه المبحث الا بعد ان تعرض لاخوة زيد ومالاقوه من اهتمام الباحث حتى لو لم يعن بهم. مثل سويد جد السودة اهل رنيه، ونهيد، على نفس الوزن.
ثم تطرق الباحث في نهاية هذا القسم الى ابناء زيد وفند الاقول التي تقول ان ابنيه عطوي وعطية هما ليسا ابناه بل اسمين لزوجتيه وقد ناقش الباحث هذا القول بأسلوب علمي فائق دحض من خلاله الاقوال التي تخالف ما ذهب اليه. ثم توصل الباحث الي معرفة او لنقل ترجيح ابناء زيد واحفادهم بشكل يتوافق مع ما صدر من مشجرات الاسر التي تنسب الى بني زيد الآن.
اما القسم الثاني فتناول فيه الباحث: بلدان بني زيد، ويقع هذا القسم في 132 صفحة، وهذا القسم جغرافي بحت وفق الباحث في توظيفه في هذه الدراسة بأسلوب ومنهج علمي دقيق.
ابتدأه بأشهر بلدان بني زيد وهي شقراء حيث تناولها من خلال الموقع والجغرافيا ثم التسمية واسبابها، ثم نبذة تاريخية عن هذه المدينة، ثم عرج الى التطور العمراني من اسوار واسواق ثم انتشار بني زيد في المدن والقرى التابعة لها. واخيراً شقراء في كتابات الرحالة الغربيين والعرب والمصادر المحلية وفق تسلسل تاريخي.
والمدينة الثانية التي اشتهرت في بني زيد هي مدينة القويعية وتعرض لها بمثل ما تعرض له في شقراء وكذلك فعل في الشعراء ثم اخيراً الدوادمي، وبذلك فهذه اربع مدن في نجد يعد بنو زيد فيها أكثرية واضحة الى حد كبير.
اما القسم الثالث فكان عنوانه: معجم اسر بني زيد، ويقع في 140 صفحة وقد حرص الباحث ان يتناول فيه المنهج الذي يجب ان يتم به التعرف علي معجم الاسر من خلال مشجرات النسب، ثم رد الفرع الي الاصل ثم تفرع الاسر الصغيرة من الاسر الكبيرة. ثم الحديث عن منازل هذه الاسر، وهو هنا يكمل في ذلك ما سبق ان تناوله في القسم الثاني اذ من المعلوم ان كثيراً من اسر بني زيد سكنت مدناً غير المدن التي تعرض لها في القسم الثاني فكان حرياً بالباحث الا يغفلها وهو المدرك لذلك وفقه الله.
وقد نهج الباحث في هذا الفصل عدة طرق في التعرف علي هذه الاسر من خلال تعدد المعاجم ثم عمل ملحقاً في نسب بني زيد، ثم ادرج معجمين الأول بحسب البطون، والآخر بحسب البلدان، ويتميز هذان المعجمان انهما مختصران.
اما القسم الرابع والاخير فكان بعنوان: الحياة الاجتماعية، ويقع في 52 صفحة ويعد هذا الفصل من الفصول المهمة وقليلة التناول للاسف في كتب الانساب التي تخرج بين الفينة والاخرى.
بدأ الباحث هذا الفصل بالحديث عن الصندوق الخيري، وهو منهج نهجه كثير من الاسر في الازمنة المتأخرة، وان كان بنو زيد يعدون الرواد فيه لما انعم الله تعالى عليهم بوفرة المال والرجال المدركين للعمل التعاوني والتآلف والتكاتف امام الظروف التي تمر وتنتاب بعض الاسر.
تعرض فيه الباحث الى مفهوم هذا الصندوق والفرق بينه وبين الجمعيات الخيرية. ثم مشروعيته واهميته وعدد بعض هذه الصناديق الاسرية واهدافها الانسانية، وبدأ الحديث بصندوق اسرة البواريد الخيري وكان حديثه هنا اعتماداً على تاريخ التأسيس وليس لغير ذلك من اعتبارات.
ثم تناول الباحث في هذا القسم موضوعاً يعد التطرق له في هذه الازمنة من الامور القليلة التناول مع اهميته التي قد تخفى علي الكثير والذي من خلاله يمكن التعرف علي تفرعات القبيلة نفسها من خلال ما يعرف بالوسم، وبدأ الحديث هنا بالتعريف بالوسم ثم اهميته، ثم اخذ اختصاص الوسم بالابل فقط، ثم الوسم في الادب العربي، ثم مكان الوسم في الجسم ومسمياته، واخيراً اشكاله ومسمياته ومع ان هذا الوسم قل استعماله الا ان بعض الاسر قد اتخذته شعاراً لها في اعمالها التجارية كأسرة آل عيسى، وهو كما نعلم كالعلامة التجارية او الماركة المسجلة ان صح التعبير. ولعلنا ندعو لاعادة استخدام تلك الشعارات «الوسوم» مع ملاحظة تكرارها بين القبائل.
وفي آخر هذا القسم تناول الباحث: النخوة والاعتزاز والشعار، وهي مصطلحات تغيب عن اذهان كثير من المعاصرين، وان علموها عدوها مما احدثه المتأخرون، ويحمد للباحث تناوله لهذا النوع من المعلومات التي يشكر على احيائها وتأصيلها علمياً. وهنا ندعو الباحثين الى عدم اغفال هذه المعلومات غير المكتوبة والتي يتناقلها الخلف عن السلف دون تدوينها، ولهذا فقد سعدت ايما سعادة عندما اطلعت عليها مدونة بهذا الكتاب، الذي آمل ان يتكرر تناولها لكل باحث يعنى بالنسب، وهي شعارات ليست خاصة بالبادية كما يتبادر الى الذهن وهي التي تعرف عندهم بالعزاوي.
لهذا عرف الباحث النخوة لغة واصلها بشكل سليم، ثم تناول الاعتزاز، ثم ذكر انها قد تعرف بصيحات الحرب، والتي من خلالها يتم التعرف على القريب او الحليف والصديق من العدو والخصم.
ثم تعرض الباحث لهذه النخوة او الاعتزاز مثل نخوة اهل العارض: اهل العوجا وغيرها.
وفي الختام جاء الحديث عن مصطلح الشعار او ما يعرف بالنبهة، وهو مصطلح المراد منه الاخبار عن النفس دون اشعار الآخرين، وضرب له ثلاثة امثلة في ثلاث مدن من مدن المملكة هي، بيشة والرياض واخيراً القويعية. اما شعار اهل الرياض او نبهتهم فهذه اول مرة اجدها منشورة في كتاب مطبوع، لهذا فانني ادعو من خلال هذا العرض لهذا الكتاب ان ينهج كل من يعمل على كتب الانساب هذا النهج في التأليف بعيداً عن المبالغة في مدح الاسرة او القبيلة وذكر محاسنها وحروبها مع الآخرين وانتصاراتها عليهم دون ذكر الجانب الآخر او المضاد.
وقد حفل الكتاب ب 256 مصدراً ومرجعاً تقسمت الى ثمانية انواع هي الوثائق ثم المخطوطات ثم المطبوعات العربية وبعدها الاجنبية، ويليها مشجرات النسب فالصحف والمجلات، ثم المراسلات والمكاتبات واخيراً الروايات الشفوية.
بهذا ينتهي هذا الكتاب الماتع الذي عسى ان اكون لخصته للقارئ وتناولت اهم ما يتعرض له، ومع ذلك اشعر انه لا غنى عن قراءته ومشاركتي ذلك الاستمتاع.
والله تعالى يتولي الجميع.