حجم الخط

النفي الاجتماعي

سأتكلم عن النفي الاجتماعي بوصفه مرادفاً للوصم وسيكون تعريفه في هذي المقالة بأنه: وصف شخص أو جماعة أو عرق أو حتى علة خلقية أو مهنة بلقب يختزل فيه مجموعة سمات وخصائص سلبية تنبذه وتنفيه اجتماعياً، أو تربطه بأذهان الناس مقروناً بالانحراف، حتى ولو لم توجد إلا بنسبة ضئيلة فيه؛ وبناء على هذا التعريف فإن الإنسان قد يدفع ثمن انتسابه لأي فئة اجتماعية حتى ولو لم يكن السبب في ارتفاع مكانتها أو انخفاضها، فقد يتميز أحد من هذه الفئات الموصومة في مجال معين، ولكن المجتمع سيذكره دوماً بما اختزل في الذاكرة من وصم، لتحطيمه اجتماعيا ونفيه.

مر النفي الاجتماعي والوصم في المجتمع العربي، في رأيي، بثلاث موجات بدأت الموجة الأولى بالتصنيف القبلي في الجاهلية، فقد كان مجتمع ماقبل الإسلام يتكون من شعوب وقبائل تتمايز فيما بينها بالتفوق الطبقي المكتسب من انتصارات الحروب والجرأة على شن الغارات القبلية، ولذلك يغلب عليها روح الحذر والاستعداد الدائم للقتال والحروب للمحافظة على مكانتها أو لاستردادها إن سلبت، يقول شاعرهم:

وأحياناً على بكر أخينا

إذا ما لم نجد إلا أخانا

وكان الإنسان العربي في مرحلة ما قبل الإسلام يعيش على أساس السمعة الاجتماعية بوصفها مصدراً من مصادر المكانة الاجتماعية بل ومن أهم معايير القوة والنفوذ، ويمثل التصنيف الاجتماعي القبلي عمودها الأساسي، لذلك كان مقياس علو شأن الفرد أو هبوطه في السلم الاجتماعي مكتسب من شأن قبيلته أو من شأن بطن من قبيلته، ولذلك يكون الوصم القبلي أحد أبرز أدوات الحروب الإعلامية لتحطيم نفسيات القبائل الأخرى وهو ما عرف في الأدب العربي بالنقائض والهجاء والمثالب.

ويبدو أن الحروب كانت تقوم لأسباب تبدأ تافهة ثم تتفاقم بسبب التحديات والتطرف في الرأي وتنتهي بكوارث عرف بعضها تاريخياً باسم أيام العرب، وأن هذا الفكر السلبي بنى حاجزاً حجب عن الإنسان العادي في العصر الجاهلي رؤية جماليات الحياة وفكرة التسامح، لأنه لما ظهر الإسلام وجاء بفكرة تقبل الآخر وطبقها على أرض الواقع ونزلت آيات قرآنية تدعمها مثل: (يا أيها الذين آمنوا إنا خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)، أنهت الموجة الأولى وشكلت صدمة في الذهنية الاجتماعية، فيما يبدو، لأنها تحمل معها فكرة إيجابية جديدة ورؤية مختلفة للحياة لطبيعة العلاقات الاجتماعية، مما جعل الإنسان العربي يعيد رؤيته للعالم من حوله ولنفسه وللوظيفة الاجتماعية للقبيلة، ولذلك تضاءلت فكرة أن الصراع هو أساس الحياة، وحل محلها أن السلم الاجتماعي والتعاون هو أساس الحياة.

ومن هنا ندرك أن الإسلام جاء بمفهوم جديد لم تألفه العرب من قبل، وهو التعارف والتعايش السلمي، بدلاً من التناحر والتوجس، وإنما التفاضل والمكانة الاجتماعية تكون على أساس التقوى وليس على أساس الصراع ومكانة القبيلة.

ولكن بعض المسلمين، وللأسف، أعادوا إنتاج التصنيف القبلي الجاهلي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة، وهذي هي الموجة الثانية من موجات النفي الاجتماعي ولكنها حملت معها أيضاً بذور الوصم المبني على أسس مذهبية وملل فكرية، إذ اختلفت وجهات نظرهم ثم تطرفت أراؤهم ثم تحولت إلى عقيدة وانتهت إلى عداوات، وانتهى ببعضها إلى حروب دامية كما حصل في صفين والجمل والتي أفرزت مذاهب وعقائد لم تكن معروفة من قبل، وانشغلت كل فرقة بإشهار سلبيات الفرق والملل الأخرى حتى تحولت إلى إيديولوجيات جديدة حملت معها عواقب وخيمة على الأمة، وقد أسهمت بعض مؤلفات الملل والنحل والمذاهب والرد على المخالفين التي أنتجت فيما بعد في إنتاج معارف جديدة وتشكيل وعي ديني لا يتسامح ولا يتقبل الخلاف بسهولة، هذا فضلاً عن إسداء هذه المؤلفات خدمة توثيق عقائد ومقولات كثير من الملل والنحل المغمورة والتي اندثر كثير منها والتعريف برموزها، ومع يقيني بأن مبدأ مؤلفات الملل والنحل والانتصار للمذاهب مفيد علمياً وتاريخياً، وأنها جاءت في سياقات مختلفة وظروف سياسية متفككة تعرضت الأمة الإسلامية بسببها لتشويه عقيدتها الصافية وتعاليمها النقية مما تطلب نشأة علم الملل والنحل، ومع يقيني بأن هذه المؤلفات أيضاً تختلف جذرياً عن محاكم التفتيش التي تصنف الأشخاص والجماعات الدينية وتنفيها اجتماعياً ثم تعذبها بسبب أفكارها، إلا أن بعض كتب الملل والنحل المتأخرة شكلت مصدراً تاريخياً لمن يريد إثارة النعرات المذهبية والطائفية وإذكاء روح العداء بين الجماعات الإسلامية.

وشهد العصر الحديث إعادة إنتاج للتصنيف والوصم مثلت موجة ثالثة من خلال شخصنة التصنيف ودخول المصالح الشخصية فيه وتوسيع دائرته عن طريق اللعب على الثنائيات المدمرة، مثل: ذكر- أنثى، وسني- شيعي، ومسلم- كافر، وأسود- أبيض، وقبيلي- وغير قبيلي وهكذا من الثنائيات المناطقية والعرقية وحتى الرياضية، وهي وإن كانت تتفاوت في درجة حساسيتها إلا أنها متجذرة في المجتمعات وحاضرة بصمت في الحياة اليومية، ولكن تكمن خطورتها هذه المرة في فكرة النفي الاجتماعي أو الوصم على مستوى الأعراق والدول والجماعات والأفراد واتسمت بسرعة الانتشار وسهولة تدخل أطراف خارجية معادية عبر التقنية ووسائل الاتصال، وتكمن الخطورة الأخرى أيضاً في تصاعد النفي الديني الموجه للمسلمين بخاصة، ثم بدخول السياسات العالمية والإعلام العالمي  كلاعب خفي في التضخيم من الخلافات وجعل المسلمين في حالة توتر وقلق.

ومعروف أن أقوى وسيلة لتحطيم إنسان أو مجتمع نفسياً قبل القضاء عليه، أن تشوه سمعته وتحاك حوله الأكاذيب وتضخم السلبيات البسيطة بوصفها حقائق، حتى تنتشر في المجتمع ثم يصل إليه نظرة المجتمع عنه ورأيهم فيه، فيتأثر رغماً عنه، ويضطر لأن يغير سلوكه دون وعي منه ويتصرف بحسب نظرة المجتمع له لا بحسب حقيقته.

وإذا انتشر في المجتمع الانطباع عن الفرد الذي تم تقييمه، وعرف نظرة الناس له، فإنه يتأثر بها دون أن يشعر، ويبدأ يقيم نفسه ويتصرف من خلال نظرة الآخرين له وليس من خلال ما يعرفه عن نفسه،

وقد اكتوى بنار "الوصم" أشخاص وجماعات فضلاء هم منها براء، وتكمن خطورة الوصم في اختزال جماعة أو فرقة أو حتى شخص في لقب يوحي بنبذه اجتماعياً، ويختزل سلبياته، وهذا الوصم بهذا الشكل فيه إجحاف وتكلف وظلم لأنه بأي حال من الأحوال لايمكن أن يعطي الحقيقة المطلقة ولا الحقيقة النسبية.

ولو أعدنا قراءة التراث قراءة عقلانية متأنية، على أساس نظرية الوصم، للاحظنا وجود اختلاف بين المسلمين، بسبب التصنيف والوصم، يصل إلى حد التعصب والتكفير بل والقتال أحياناً، ومن يراجع تاريخ ابن الأثير وابن كثير وغيرهما لوجد حالات قتال بين الحنابلة والشيعة، والأشاعرة وغيرهم بسبب التعصب المذهبي وتجريم المخالف.

وواضح أن الوصم يقود للتعصب ضد الآخرين وعدم قبول الآخر إلا بحدود ضيقة، وجميع أنواع التعصب المذهبي والفكري والقبلي لم تحصد منه أمتنا إلا مزيداً من التخلف والانحطاط الفكري والعلمي، وفي تاريخ أوربا حالات تعصبية مذهبية مرعبة لم تتخلص من أكثرها إلا بعد رد فعل عنيف على الدين قادها للعلمانية والإلحاد، ولا شك أن ديننا الصحيح يدين جميع عمليات النفي الاجتماعي إذ جعل التقوى هي معيار.

ويشهد تاريخنا نمو متزايد للجماعات الدينية التي يتوالد بعضها من بعض باستمرار، وهذا يتطلب تدخلاً لفهم الظاهرة والحد منها قبل أن يصاب المجتمع المسلم برد فعل لا يحمد عقباه.

وفي رأيي أن سبب ظاهرة الحقد المذهبي وكثرة تصنيف المخالفين، ليس التعصب، كما تؤكد عليه الدراسات الكثيرة، فالتعصب نتيجة وليس سبب، وإنما السبب الأقرب للواقع يكمن في انتشار ظاهرة تصنيف الجماعات التي نختلف معها ثم وصمها بمفاهيم تقلل من شأنها وجلب مصطلحات سلبية وإلصاقها بها، ثم يتحول التعامل بين الجماعة الواحدة المختلفة إلى جماعات متصارعة، وقد لاحظت في تويتر وفيسبوك أن بعض المتشددين يعرفون بأنفسهم في النبذة (البايو) بأنهم غيورون على الدين ومهتمون بقضايا الأمة ثم يذكرون أنهم سيركزون نشاطهم على فضح الليبراليين والعلمانيين وأصحاب الملل المنحرفة مثلاً.

فتاريخنا زاخر بقائمة الملل والنحل والمذاهب، وتراثنا الأدبي مشحون بوصم بعض القبائل والمناطق، واليوم يعاد إنتاج الوصم باسم "التصنيف"، فأي فكرة تخالف المتعصب فإنه يصنف الشخص أو الجماعة الدينية ويصمها بلقب يحمل معه مضامين التحقير والانحراف عن المنهج الصحيح، ويلصقه بها وينفيها اجتماعياً.

لذلك يجب على المجتمع الحذر من فكرة "القائمة السوداء" و"القائمة البيضاء" وعدم الاستسلام المطلق لأحكام من قبلنا ولا أحكام غيرنا، لأن لها سياق وظروف وحيثيات لسنا ملزمين بها، ومن حقنا أن نختلف مع المذاهب والجماعات بل ونرفضها ونحذر من أخطائها، ولكن لا ننفيها اجتماعياً ودينياً فتضطر أن تدافع ان نفسها فتنفينا اجتماعياً ودينياً والقرآن يقول: "لا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم"، ويمكن قبول التصنيف في سياق علمي محايد مثل فرز المناهج العلمية والمذاهب في حدود أنها مختلفة، ولكن بدون وصمها ونبذها وتحقيرها.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *