حجم الخط

تزييف الوعي الاجتماعي

يعتقد البعض أن الانفتاح الفضائي وتطور تطبيقات التواصل الاجتماعي ساعدت على نشر الحقيقة، والواقع أنها أسهمت في تدفق المعلومات وزودت الناس بأنواع من الوعي الحقيقي والوعي الزائف، ومن يراقب كثافة البرامج الشبابية التفاعلية في القنوات الفضائية، وبتطبيقات التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك وانستغرام وكييك ونحوها، يلحظ أنها أتاحت الفرصة لجميع التيارات الثقافية الاجتماعية والفكرية للبروز وبخاصة الفكر الهامشي والفكر المهمش للبروز وإغراق المجتمعات بالأفكار المتناقضة، وصار كثير من الأفراد يعتقد أن هذه التقنية منحتهم الحرية، ليقولوا ماشاء ومتى شاءوا بدون رقابة ولا وصاية، بينما هم في الواقع نقلوا إليها الوعي الزائف الذي لم يتخلصوا منه، وكرسوا التزييف الذي مورس عليهم، فصار الإنسان العادي يقيس صحة الفكرة بقوة انتشارها لا بأصالتها.

من يبحث في تاريخ الأفكار فسوف يتوقف حتماً عند مفهوم الوعي وكيف يتكون في ذهن المجتمع ويشكل ذاكرته، وسيعرف أساليب الجماعات القوية والمسيطرة اقتصادياً وسياساً، في تزييف الوعي الاجتماعي لخدمة مصالحها ومبادئها "إيديولوجيتها".

وتكمن خطورة التحكم بوعي الأفراد، كما يذكر الباحث الروسي سيرجي قره - مورزا في كتاب "التلاعب بالوعي" أن الإنسان استطاع، بما يملكه من قدرات فكرية ولغوية، أن يعرف الوعي وأساليب التلاعب به وأن يجدد هذه الأساليب ويطورها باستمرار، وبذلك تمكن من التأثير على الآخرين وتغيير قناعاتهم.

ويغيب وعي الأفراد والمجتمع من خلال التأييد المطلق لشخص أو حزب أو مذهب وتبعيته في منهجه وفكره، والاعتقاد بأنه يملك الحقيقة، بل والدفاع عنه ومعاداة خصومه.

لذلك تتجه الدعوات لحاجة الإنسان المعاصر إلى تعلم التفكير السليم أكثر من حاجته للمعلومات، إذ يرى عالم الاجتماع رايت ميلز أن الناس لا يحتاجون إلى المعلومات في عصر الحقيقة، الذي تسيطر فيه المعلومات على انتباه الناس وتركيزهم لكنهم يحتاجون نوعية من المنطق والتفكير والأدوات التي تساعدهم على استثمار المعلومات وحسن توظيفها وتطوير تفسيرها كي يتمكنوا من فهم واستيعاب ما يدور في العالم الخارجي، وهذا النوع من التفكير يسميه رايت ميلز "الخيال الاجتماعي".

اهتم علماء الاجتماع والمفكرون بقضية تزييف وعي الإنسان بإسهاب، ولكن تعد نظرية ماركيوز، من أبرز النظريات التي صدرت في الستينيات الميلادية وأحدثت تأثيراً كبيراً في أوربا، وقد صاغ ماركيوز افتراضاته في كتابه الشهير "الإنسان ذو البعد الواحد"، إذ يرى أن الإعلام في المجتمعات الصناعية قد أغرقت الفرد بالمعلومات المغلوطة.

ويرى أن المجتمع الرأسمالي أو الشيوعي، لديهم القدرة على القضاء على أي محاولة لمعارضتهم ونفيهم، بل ويستطيعون تزييف وعي المجتمع لدرجة أن يؤمن بفكرهم ويدافع عنه ضد من يحاول أن يخبرهم بالحقيقية، فالإنسان ذو البعد الواحد هو الذي استغنى عن الحرية بوهم الحرية، فالإنسان الذي يتوهم بأنه حر لمجرد أنه يستطيع أن يختار ما يشاء من البضائع والخدمات، مثل العبد الذي يتوهم أنه حر إذا منح الحرية في اختيار سادته.

ويرى أيضاً أن أدوات التكنولوجيا والاتصال الجماهيري يمكن أن تؤدي دوراً كبيراً في تزويد الفرد بضمير مرتاح وسعيد، ذو بعد واحد، من خلال تخفيف حدة التناقض بين الواقع والمفترض أن يقع، من خلال دمج قيم الأول بالثاني، وبإيجاد لغة أحادية الجانب، تكون سلوكية منغلقة على ذاتها، تستبعد الأفكار والمفاهيم النقدية من مفرداتها، وقدرة أنظمة الحكم على قمع القوى الاجتماعية التي تستطيع التغيير.

وشهد العالم بعد الحرب العالمية الثانية صراعاً إيديولوجياً بين الرأسمالية والشيوعية لفرض الأفكار والمبادئ، وهو يعتمد على تزييف الوعي والسيطرة على الفكر الثقافي والإعلام والتقنية والتعليم، فالسيطرة على الفكر الثقافي من خلال إعادة ترتيب الأولويات والرفع من شأن القضايا الثانوية من أجل تهميش القضايا الأساسية، ومن يقرأ كتاب "من يدفع للزمار" وترجم مرة أخرى بعنوان "الحرب الثقافية الباردة" يلحظ خطورة ما تدفعه المؤسسات الأمريكية المتخصصة والمعنية من أموال ضخمة للسيطرة على الفكر العالمي عن طريق إنتاج وعي مزيف في أنحاء العالم ولكنه مدعوم بقوة البرامج الإخبارية والثقافية مثل الأفلام والكتب والمؤتمرات والندوات فضلاً عن الصحافة والتلفزيون والإذاعة، كما تستخدم الدول المتقدمة حالياً عبر الأقمار الصناعية وتطبيقات التواصل الاجتماعي كأدوات للغزو الثقافي، وتكريس التبعية، إضافة إلى تحسين الصورة الذهنية وتشويه صورة الخصوم.

وفي المقابل استطاعت الشيوعية أن تهيمن مدة وجيزة على الفكر العالمي وتسيطر على الوعي، من بعد الحرب العالمية الثانية إلى عشية سقوط الاتحاد السوفيتي، وصار للفكر الاشتراكي الشيوعي جاذبية ورواج في السياسة والثقافة والفكر عربياً وعالمياً.

وتهدف عملية التبعية الثقافية وتسمى أيضاً الاستلاب، وتعني السيطرة على العقول وتسطيحها، إلى تشكيك الشعوب في مسلماتها، وتغييب ملكاتها النقدية وترويج الثقافة السطحية بالأفكار الثانوية، وإغراق الجماهير بالمواد التافهة.

ومما يؤسف له أن فقدان التمييز طالت الحركة الثقافية المحلية، وصار بعض الباحثين يفرض ما يطرح بوصفه وعياً حقيقياً لا وعياً مزيفاً أو ثانوياً، ومن أمثلة ذلك، كتاب "معارك التنويريين السعوديين ضد الظلام"، وهو في أربعة مجلدات تضم مئات المقالات السجالية بين تيارين متصارعين فكرياً، فموضوعات الكتاب تمثل قضايا ثانوية ويمكن أن تطرح كوجهات نظر يناقشها المثقف ورجل الشارع العادي، كقيادة المرأة وبيعها في المحلات ونحوها، في حين عدها الكتاب قضايا فكرية ومعارك تنويرية.

يعد المفكر والتربوي البرازيلي باولو فرير، أن "تضليل عقول البشر أداة للقهر تستغله النخبة في تطويع الجماهير لأهدافها الخاصة"، وتعد السيطرة على أجهزة المعلومات والصور، مثل محطات الإذاعة والتلفزيون والصحف والمجلات والسينما ودور النشر، من أهم وسائل التضليل الإعلامي.

أما السيطرة الإعلامية، فقد سعت الدول المهيمنة إعلامياً على فرض مبدأ التدفق الحر للمعلومات، مما سهل تدفقها في اتجاه واحد من أعلى إلى أسفل، أي من الدول المتقدمة التي تملك الإمكانيات التقنية إلى الدول الفقيرة والمتخلفة، وقد استخدم هذا التدفق الحر كأداة اقتصادية وأيديولوجية للسيطرة على شعوب العالم الثالث.

فالاعتماد على المواد الإعلامية والثقافية الغربية يعد عاملاً رئيساً في تزييف وعي الشعوب، لأنها تخضع للتوجيه الإيديولوجي والسياسي الذي يخدم مصالحهم ويسعى لهدم القيم والمعايير الأخلاقية في مجتمعات العالم الثالث.

أما السيطرة التقنية، فيرى عدد من العلماء أن الحكومات تسيطر عليها وتستخدمها للتحكم في الاتصال الاجتماعي وصنع القرار، ومن هنا أصبحت التقنية مصدراً لتوجيه الوعي وتزييفه، كما أصبحت التقنية ووسائل الاتصال والأجهزة الذكية تشكل شبكة واسعة من الغزو الثقافي والنفسي.

أما السيطرة على التعليم فهي من أهم أساليب تزييف الوعي الاجتماعي، فقد استخدمت المناهج والمقررات الدراسية في تزييف وعي الطلاب، من خلال تزويدهم بمعلومات سطحية تعتمد على الحفظ ولا تحفز على التفكير والنقد، وإغراقهم بمعلومات كثيرة وقديمة وغير صالحة للتطبيق واقعياً، في أغلب الحالات، وصارت الاختبارات تقيس قوة الذاكرة التي تحتفظ بمعلومات مؤقتة، مما يجعل التعليم منفصلاً عن الواقع، والتعليم العالي ليس محصن من مخرجات التعليم العام، فصارت مخرجات التعليم العالي تقتصر غالباً على تخريج كتاب وموظفين بلا مهارات حقيقية مهمتهم إنجاز الأعمال الروتينية اليومية، وهذا يقلل فرص الطلب على الخريجين مما يتسبب في زيادة البطالة، فتضطر الحكومات إلى ترويج فكرة أن سبب البطالة هو ضعف القدرات لدى العاطلين وتحملهم مسئولية بطالتهم حتى تصرف الأنظار عن سوء تخطيط مناهج التعليم.

وأعتبر أن تطوير الذات وتنمية ملكة الحس النقدي وممارسة التفكير الإيجابي من أهم الوسائل التي يتبعها الإنسان ليحمي نفسه واستقلال شخصيته من التبعية وتزييف الوعي، ويتضمن القرآن الكريم عشرات الآيات التي تدعو للتفكر والتأمل وعدم متابعة الآخرين لمجرد المتابعة، قال تعالى "لكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات".

وتعد التربية من أساليب الوقاية من تزييف الوعي، فلا يستهين الوالدين والمربين بخطورة تربية الأبناء على الثقة بالنفس والاعتماد عليها وتحميلهم المسئوليات المناسبة لأعمارهم واحترام عقولهم وحوارهم، لأن لها أهمية مستقبلية كبيرة.

وتبقى المسئولية على المثقف الملتزم بقضايا أمته ومجتمعه لتنوير المجتمع وتحفيزهم على الاطلاع وممارسة النقد بدلاً من الاكتفاء بإصدار الأحكام تجاه قضايا المجتمع الثانوية بوصفها حقائق تمثل الأهداف الأساسية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *