حجم الخط

رأس المال الثقافي في التعليم

عاشت المدرسة الحديثة عقوداً من الصراع الفكري والعلمي بين منظورين كبيرين في نمط التعليم العصري المناسب، وهما: هل المدرسة للتعليم فقط، أم للتربية أيضاً، وانتهت كثير من الدول إلى دمج المنظورين وصممت مناهجها ومقرراتها على أسس تعليمية وتربوية، ومع ذلك بقيت الهوة بين قيم المدرسة منفصلة عن قيم الأسرة وعن قيم المجتمع، ويبدو أن روح الكآبة التي تعمل بها المدرسة تحت ذريعة الانضباط زادت من نفور الطالب من قيمها الجافة التلقينية، إذ لاحظ سنيدرس G. Snyderd في كتابه "شعور الابتهاج داخل المدرسة" أن أكبر التحديات التي تواجه المدرسة هو عدم جاذبيتها للطالب، وأن العملية التعليمية إلزامية قسرية؛ وأكدت دراسات كثيرة ومنها كتاب "التضليل التربوي" لبرنار شارلون أن المدرسة لم تعد قادرة على مواكبة التطور السريع للعلم والمعرفة، وأن استمرارها في نقل المعلومات شفوياً داخل الفصل الدراسي يضعف إنتاجيتها الاقتصادية، ومن هنا برزت نظرية رأس المال الثقافي في علم الاجتماع، على أنها طريق ثالث، يحل مشكلات العنف الرمزي والهيمنة الذكورية وإعادة الإنتاج في التعليم، لأنه يهتم بقيم الإنجاز والتخطيط للحياة وإدارة وقت الفراغ، والالتزام بقواعد السلوك وآدابه، بوصفها جماليات الحياة ونمط حياة وممارسات طبيعية منغرسة في سلوك الأفراد دون تكلف، ويتأكد هذا الاتجاه اليوم أكثر من أي وقت مضى، مع تدني العلاقة في البيئة التعليمية وهي: المعلم، والطالب، والمدرسة، والمقرر، والأسرة...، وتحول كثير منها من علاقة أبوّة إلى علاقة مبنية على الاهتمام بالمعدل والنجاح بتفوق دون مبالاة بالعلم ولا بالتربية. وهو موضوع المقالة.

يدعم مشروع الملك عبدالله لتطوير التعليم العام مبادئ رأس المال الثقافي من خلال برنامج "بدار لتأسيس مهارات الأعمال للشباب"، والتي من أهمها غرس قيم التخطيط والاستثمار لدى الطلاب، وبرنامج "شركاء في تعلم أبنائنا"، الموجه لإشراك الأسرة في التعليم بقيم تنظيم وقت الفراغ، وتنمية الروح الإيجابية، وزيادة الثقافة التربوية...، وذلك لأن تناغم وتوافق قيم المدرسة مع قيم الأسرة، ستنمي رأس مال الطالب ثقافياً يمكن أن يدخل به سوق العمل وتحقيق زواج ناضج. وبرأيي أن محور ارتكاز موائمة القيم بين المدرسة والأسرة يكمن في ممارستها فعلياً من قبل المعلم، وتوصيلها للطلاب بأمانة، فالواقع الذي أعرفه شخصياً أن كثير من المعلمين يتجاوزون ما يخالف إيديولوجياتهم أو يوجدون قيمهم الفكرية بوصفها بدائل لمنح الدرجات.

فرأس المال الثقافي ينطبق عليه قانون رأس المال الاقتصادي، وأن له دورة حياة، فرأس المال الثقافي يستثمر في بناء الثقة الشخصية في الإنسان من خلال تدريس وممارسة وتنمية قيم: الذوق العام، واللغة اللطيفة، والنظافة الشخصية، والاهتمامات الراقية، وكل الممارسات الثقافية المقبولة اجتماعياً، وأؤكد على غرسها في هوية الطالب وليس تعليمه لينجح فقط، فتعليم القيم في البيت وفي المدرسة بلا ممارسة طبيعية لها، مثل تعليم قيادة الطائرة نظرياً بلا ممارسة، إذ إن تراكمها وتناميها سوف يؤدي إلى تحولها تلقائياً إلى رأس مال اجتماعي، يتمثل في تكوين علاقات اجتماعية صلبة ومتنفذة قادرة على أن تستفيد من ثقافته، وتفيده بوظيفة أو منصب مرموق أو تعاون مشترك، وهذا يعني تحولها تلقائياً أيضاً إلى رأس مال اقتصادي، يتمثل في زيادة دخله واستقراره، ومن ثم سوف يورّث رأس ماله الثقافي لأبنائه، وهكذا تكتمل دورة حياة رأس المال الرمزي، وهي استثمار كافٍ لأن يحقق للمستثمر في هده الثقافة مكانة اجتماعية واقتصادية.

وإذا كان التعليم رأس مال فتعد المدرسة سوقاً بداخلها مجالات استثمارية في التربية والتعليم، ولها أرباح ذات قيمة رمزية تتمثل في شهادات رسمية، ومن يملك الشهادات، وعدد سنوات الدراسة، فهو يملك رأس مال تعليمي يتحول إلى رأس مال اقتصادي من خلال الفرص الوظيفية والمناصب التي يحتلها الفرد، ومع ذلك نلحظ أن أكثر الناس سرعان ما ينسون رأس مالهم التعليمي والتربوي لبعد ما تعلموه عن طبيعة وظيفتهم في الغالب، وذلك لأن نمط التعليم القائم منذ عقود على التلقين والحفظ والاستظهار لم ينجح في إنتاج مجتمع تسود بين أفراده قيم حب المعرفة وإنتاج العلم، واحترام العمل الشاق، والقدرة على تقديم الذات في الحياة اليومية، بل لا أبالغ إذا قلت: إن النظام التعليمي السائد أسهم في نشر ثقافة التكاسل في المجتمع وبث روح السلبية بين أفراده، وذلك من خلال ضمان النجاح للطالب المهمل والمجتهد على حد سواء، ومنح صلاحيات عالية للمعلم وللأستاذ الجامعي ليتحكم في مصير اجتياز الطالب للمقرر دون رقابة عالية وفاعلة، بسبب عدم وجود وثيقة حقوق وواجبات بين الطالب والمؤسسة التعليمية، مما يضطر الطالب لأن يركز على المعلم والأستاذ على المقرر والتحصيل العلمي، وكثرة تعليق الدراسة لأتفه سبب، والسماح بالغياب بنسب تصل إلى أكثر من ٢٥٪ من الأيام الدراسية وغيرها.

لذلك أرى أنه آن الأوان للاعتراف بأن التعليم يمر بأزمة ثقافية، وليس أزمة مناهج حديثة ووسائل تدريس، ومع تفهمي بأن التعليم محل انتقاد دائم في جميع بلدان العالم، وأن ترهل المؤسسات التعليمية العربية إنما هو بسبب بيروقراطيتها ومركزيتها مع ضعف تدريب كوادرها، ويقيني بتقليدية المناهج والمقررات وسيطرة أسلوب التعليم بالتلقين والحفظ والاستظهار، وإهمال رأس المال الثقافي في المدرسة هي نقاط النقد الأساسية، ومع إدراكي للجهود الكبيرة التي تقوم بها نظريات التربية وعلم النفس لتطوير التعليم، إلا أنه حان الوقت، برأيي، لتبني فكر علم الاجتماع ونظرياته المساندة لعمليات التربية والتعليم، وهذا المقال يؤيد أهمية تحول التعليم من عملية تعليمية وتربوية إلى عملية تعليمية ثقافية، وأقصد بالثقافة هنا بمعنى دور نمط الحياة اليومية في بناء شخصية الطالب وامتلاكه ثقافة يمارسها بوصفها طبيعة منغرسة في الشخصية وليست متكلفة، وتحمل قيم: العمل الجاد، واحترام الوقت، وحسن تقديم الذات أمام الآخرين، بحيث تكون رأس ماله الذي يتوظف به، ويترقى به، ويتزوج به. وهذه ليست دعوى مبتكرة، ولكنها اتجاه جديد دعا إليه كبار التربويين والاجتماعيين في العالم، مثل عالم التربية البريطاني روجيزر الذي يرى أن بناء الشخصية هو أساس التغيير التربوي لأن الطالب سوف يملك الأدوات التي ستمكنه من إنتاج المعرفة التي تناسبه، ومن خلال عقد مقارنة بين امتلاك الثقافة وامتلاك التعليم على معايير رأس المال الثقافي سوف نجد أن الموارد التعليمية هي الحفظ والتلقين والاستظهار بهدف تنمية الدرجات وتراكمها، كما أنها تمثل مؤشراً واحداً عند الصعود في السلم الاجتماعي سواء عند الدخول للجامعة أو سوق العمل، وتعد المدرسة هي الحقل، أو السوق بالمفهوم الاقتصادي، الذي يتداول فيه رأس المال التعليمي، وهو سوق ضيق ومحدود بسنوات دراسية قصيرة بالنسبة للطالب، ومن هنا يتضح بعد المسافة بين القيم التي يدرسها الطالب في المدرسة وهي في المقرر قيم التمسك بالدين وبالهوية الوطنية وبين التعرف على معلومات ومعارف أدبية وعلمية، ولكن يجمع بينها في الواقع قيم التلقين والحفظ والاستظهار.

أما في رأس المال الثقافي فتتمثل الموارد الثقافية في قدرة الطالب على امتلاك الثقافة من خلال تنمية الفكر الناقد، وتذوق الجماليات الاجتماعية والثقافية، والالتزام بقواعد السلوك وآدابه، والقدرة على التكلم بثقة، واستخدام مفردات مهذبة، وأناقة المظهر، والهوايات الراقية مثل قراءة الكتب وزيارة المتاحف والفنون والآداب التي تكسب صاحبها مكانة محترمة. كما أنها تعزز موقف الطالب في جميع مراحل حياته، وتزوده بقيم الحياة اليومية بما فيها الزواج وبناء أسرة صالحة، وتخدمه في سوق العمل التي تتطلب قيم روح العمل والانضباط والإبداع، وهي تتراكم بالخبرة ولا تنقص، وقد أظهرت نتائج الدراسات التي عملت أن رأس المال الثقافي يساعد الطالب على النجاح في المدرسة، لأن مظهره وثقته بنفسه وقدرته على التحدث تجعل المعلم يعتقد أنه ذكي بالفطرة، فيبحث عن مكامن الصحة في إجابته دون شعور منه، كما يساعده في النجاح في الجامعة وما بعدها، لأن الحياة اليومية في سوق العمل وفي الزواج تتطلب ثقافة والقدرة على اجتياز المقابلات الشفوية، أكثر من متطلبات الشهادة والمعدل. في حين أن السوق الذي يتداول فيه رأس المال الثقافي واسع ويمتد مدى الحياة؛ بعكس رأس المال الثقافي الذي يمكن توريثه، وتنميته وزيادة تراكمه وتوسيع مجالات استخدامه.

لم يعد بإمكان وزارات التربية والتعليم أن تهيمن على أفكار الطلاب والطالبات ومعارفهم وقيمهم في ظل تدفق المعلومات العالمية التي تحمل معها اتجاهات فكرية قادرة على التفاوض والإقناع، بل لا أستبعد أنها لم تعد قادرة حتى على منافسة بدائل التعلم الذاتي، ولم يبق للوزارات إلا وثيقة التخرج التي تمنحها للطالب إذا استجاب لما تفرضه عليه من معلومات، وهذا الأسلوب لم يعد قادراً على المنافسة لأن تأثيره محدود ووقتي، ويوقع الطالب في تناقض القيم ويغرس فيه روح المداهنة، فصار الخيار الاستراتيجي هو الاستثمار في الإنسان وتمكينه من أدوات الحوار والبحث وأساليب التفكير ليكون قادراً على مواجهة الفكر بالفكر والعلم بالعلم، وأن يكون ذلك ممنهجاً وأساسياً في سياسة التعليم، وليس مقررات تكميلية أو نشاطات لاصفية.

نموذج بناء رأس المال الثقافي يكمن في مراجعة مقررات وزارة التعليم وتكثيف مواد التربية في صفوف التعليم العام بدءاً من الصفوف الدنيا من المرحلة الابتدائية حتى المرحلة الثانوية، وذلك باستحداث مقررات جديدة تناسب مستوى كل سنة دراسية، مثل التربية الصحية، والتربية الأسرية، والتربية المكتبية، والتربية الميدانية، والمنطق.

إن رأس المال الثقافي ليس ترفاً علمياً ولا اتجاها براقاً في التربية والتعليم، وإنما هو بناء قاعدة صلبة للأمن الفكري، والتماسك الاجتماعي، والاستقرار السياسي، والنمو الاقتصادي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *