حجم الخط

أنثروبولوجيا الرقص واللعب الشعبي

أولاً: مقدمة

تعكس سيرة حياة الرقص واللعب الشعبي تاريخا طويلا وموغلا في القدم لحياة الإنسان العادي، حيث ارتبط الرقص بطقوس العبور للإنسان، مثل: الولادة والزواج والاستعداد للحرب والانتصار في الحرب والعلاج والموت، كما ارتبط بالمعابد بوصفه طقسا دينيا، ثم تحول عبر مرور آلاف السنين إلى أحد أدوات الترفيه، وما بين منح الرقص معاني القداسة، حتى منحه معاني الفن والطرب، يوجد حكاية تستحق أن تروى.

ويعد الرقص أحد أقدم أشكال النشاط الفني للإنسان، التي ظهرت في مرحلة مبكرة من نشوء وتطور المجتمع الإنساني؛ وذلك لأن ظروف الحياة الشاقة التي عاش فيها الإنسان البدائي جعلته يتحد مع الآخرين من أجل الحصول على مورد مشترك للدفاع عن النفس، وكان الرقص ينظم نشاط الإنسان، بوصفه ضرورة اجتماعية تصاحب مناسبات الصيد والحرب[1].

والرقص الشعبي في البلاد العربية يقع في مرحلة متوسطة بين الرقص الأفريقي المقدس والرقص الأوروبي الوظيفي، ويعرف المفكر والفنان الأفريقي كيتافوديبا الرقص الأفريقي بأنه: طابع طقوسي سحري من طوابع الحياة الإفريقية لا ينفصل عن أي شيء آخر بها، وهو مزيج من النغم والحركة أبعد من أن يكون فناً مستقلاً، كما الحال بالنسبة إلى الرقص الأوروبي، ويتعلمه الإفريقيون كما يتعلمون الكلام؛ ليعبروا به عن مشاعرهم وأحاسيسهم، ويتميز بمقومات درامية تعكس صورة الصراع المتبادل بين الإنسان الإفريقي وقوى الطبيعة المحيطة به[2]. ويؤكد هذا التعريف الدقيق أن الرقص واللعب حالة أدبية ووجدانية لا تخضع لمعايير المنطق.

وفي السعودية يوجد في كل إقليم مجموعة رقصات ذكورية ونسائية، إلا أنه يوجد رقصة واحدة لكل منطقة تقام في المناسبات العامة، ويكون لها قدسية خاصة واهتمام بالتفاصيل.

والرقص مصطلح يتركز أكثر في حالة اللعب النسائي، وفي حالة الرجال فإنها تسمى “اللعب” وهو التمايل بالجسد باستخدام السيف أو الخنجر أو العصا، مع أن القواسم المشتركة بينهما واحدة من حيث أداء حركات تمايل على إيقاع موسيقي أو قرع طبول.

يعد الرقص واللعب الشعبي من المصادر التاريخية المهمة؛ وذلك لأنه أحد الفنون التي لا يعتريها التغيير عبر الأجيال، وقد درس الأنثروبولوجي الأمريكي لويس هنري مورغان نظام القرابة عند الهنود في أمريكا مستنداً إلى الرقص، وتوصل إلى أنه دليل يؤكد على وحدة القبيلة[3].

ثانياً: تطور تاريخ الرقص

نشأ الرقص في المعابد الدينية قبل أكثر من خمسة آلاف سنة، وقد أكدت الرسومات الصخرية في المعابد على وجودها، ثم انتقل جانب من الرقص إلى بعض الطرق الصوفية في الإسلام، ثم انتقل بعض أنواع الرقص إلى المجتمع، وصار يؤدى في المناسبات الرسمية والشعبية، وقد تغيرت فيه الألحان والإيقاع والأزياء، مع بقاء الطقوس الأدائية التي كانت تؤدى في المعابد دون تغيير، وهي ما يسمى الرواسب الثقافية.

1- ارتباط الرقص بالمعابد

يرتبط مفهوم المعابد بالدين، ويعرف الدين في الأنثروبولوجيا بأنه: طقوس جماعية ونظام من المعتقدات والممارسات المرتبطة بعوالم غيبية متعالية عن الإنسان، وتمارس عبر وسائط رمزية للتقرب من المعبود الذي يختاره الإنسان حسب معتقده الديني[4]؛ ولهذا تكثر ظاهرة الآلهة لدى الإنسان القديم، ويجعلها الإنسان محور ارتكاز حياته اليومية بحيث تظهر في جميع المناسبات الاجتماعية والزراعية.

يوجد تأكيدات من نتائج الحفريات الآثارية والمعثورات والرسوم الصخرية تؤكد على أن الرقص البشري بدأ مع المعابد، وارتبط بعض أنواع الرقص بالمعابد والتوسل بالآلهة. ومن المرجح أنه عندما انتهت علاقة الرقص بالمعابد وبالآلهة، مع تطور البشر، بقيت رواسب ثقافية تؤدى لدى الراقص بوصفها فنا أدائيا، وليس بوصفها توسلا للآلهة.

يرى بعض الباحثين أن موسيقى الشرق القديم ليست فناً مستقلاً بذاته؛ لأن الموسيقى كانت دينية ومسخرة لخدمة الآلهة وعبادتها، وقيام الموسيقى والغناء بدور الناقل لتضرع ودعاء الناس إلى آلهتهم، ومن هنا كانت الآلات الموسيقية في العهود القديمة جزءاً من التراث الديني. كما رافقت الموسيقى سكان العراق القدامى من المهد إلى اللحد، حيث كانت حاضرة في الطقوس والشعائر الدينية في المعبد، والفلاحة والعمل والأعياد والزواج والحروب وفي البناء وفي مدافن الموتى[5].

2- الرقص في التراث العربي والإسلامي

ارتبط الرقص في التراث العربي والإسلامي بمستويين هما: مرقصات العرب في الجاهلية، والرقص الصوفي، وقد برز تراث ديني يدين الرقص عند الصوفية مثل: كتاب “الرهص والوقص لمستحل الرقص” لإبراهيم بن محمد الحلبي (المتوفى سنة 956هـ)[6]، وكتاب “برهان الأحان في حكم الرقص والدوران” للنكساري، إلا أن موقف فقهاء الإسلام من الرقص يعبر عن الرفض إلا في إطار محدود مثل: رقصات الحرب وملاعبة الأطفال.

3- الرواسب الثقافية

يطلق مصطلح الرواسب الثقافية Cultural Survials، ويسمى في علم الاجتماع البقايا الاجتماعية، يعرف تايلور الرواسب الثقافية بأنها العمليات الذهنية والأفكار والعادات وأنماط السلوك والآراء والمعتقدات القديمة التي كانت سائدة في المجتمع في وقت من الأوقات بسبب ظروف وأسباب معينة، والتي ما يزال يحافظ عليها المجتمع ويتمسك بها بعد أن انتقل من حالته القديمة إلى حالة جديدة واختلفت فيها الظروف عما كانت عليه في الحالة الأولى، ويرى تايلور أن أهم ما يميز الرواسب الثقافية هو فقدانها لوظيفتها وفائدتها ومعناها. ويعرفها ريفرز بأنها استمرار عادة لا يمكن تفسيرها إلا بالرجوع إلى تاريخها، وليس إلى فائدتها الحالية[7].

ويعد الرقص أحد أهم النماذج التي مرت بتاريخ طويل يمتد إلى آلاف السنين، وقد كانت عناصر الرقص ذات معاني واضحة لمن أسسها لأول مرة، ثم مع مرور الأجيال وتغير الظروف، استمرت طقوس الرقص تؤدى دون معرفة معانيها الأساسية، إلا أن كثيرا منها مرتبط إما بمناجاة وتوسل للآلهة، وإما بمواسم زراعية أو بمناسبات دينية واجتماعية مقدسة.

ومن أبرز سمات المراسم والطقوس القديمة أنها تنتقل بين الأجيال دون تغيير في الحركات الأدائية، إلا أن أساسها الإيديولوجي يتغير بالتدريج، باكتساب الإنسان معارف أوسع، وهذا يجعل الرقص يحافظ على شكل بنائه الأول منذ أقدم العصور حتى الآن[8]. ولذلك يلحظ تغير الألحان والإيقاع وربما الأزياء، إلا أن ثبات الحركات يؤكد أنها طقوس لها قدسية شعبية في بداية نشأتها.

ثالثاً: عناصر الرقص

يرتبط الرقص بمجموعة عناصر أساسية تتمثل في:

1- مواسم الرقص: يرتبط الرقص واللعب الشعبي بمواسم اجتماعية مهمة، مثل: الزواج، والأعياد، والسمر، والختان، أو تقام للترحيب بضيوف مهمين. وفي السنوات الأخيرة حدث تحولات في مواسم الرقص بإضافة الرقص بمناسبة النجاح في الدراسة، أو بمناسبة الطلاق في بعض الحالات.

2- طقوس الرقص: لبس مخصص بحسب المناسبات، وحركة القدمين أو اليدين أو أي من أجزاء الجسد بحسب الإيقاع، الصوت، المساحة المخصصة للراقصين. وأضيف مؤخراً الإضاءة بوصفها أحد طقوس الرقص وخاصة للنساء.

3– الآلات الموسيقية: لكل منطقة آلات خاصة بفنونها، وهي تتركز في آلات القرع كالطبول والطيران، وآلات النفخ كالمنفاخ، وآلات النقر كالسمسمية.

4- الزي: تتكون الأزياء الرجالية من اللبس المخصص، وبعض الملابس يلبس معها حزام السلاح، والسلاح الأبيض كالسيف والخنجر أو البنادق.

ويوجد عناصر يشترك فيها جميع المناطق والرجال والنساء على السواء، ومجموعة عناصر تنفرد بها كل منطقة عن الأخرى، ويتمايز بها الرجال عن النساء.

رابعاً: الفنون في مناطق المملكة

يوجد في مناطق المملكة عشرات الرقصات واللعاب الشعبية المتنوعة، وكثير منها قديم لا يعرف تاريخه، وبعضها فنون حديثة النشأة، ولا تهدف الورقة إلى رصد أنواع الفنون والرقص والفلكلور في مناطق المملكة، ولا حتى التعريف بها، فهذا مشروع كبير يحتاج إلى فريق بحث، بل تهدف إلى لفت الانتباه إلى أهمية أنثروبولوجيا الرقص من خلال انتشارها وتنوعها، بوصفها مادة علمية وبيانات جاهزة لتحليلها أنثروبولوجياً واجتماعياً.

1- الفنون الحجازية

المزمار: رقصة تؤدى بالعصى في مناسبات الفرح، داخل ملعب صغير يحيط به الجمهور، وسجلت في اليونسكو عام 2016 بوصفها تراثا غير مادي من الموروث الحجازي، مما تسبب في احتجاج شعبي يرفض أن ينتمي فن المزمار للتراث الحجازي، بدعوى أنه أفريقي المصدر. ومن الفنون الشعبية: الكليجي: يرى القويعي أنها لعبة شعبية من ينبع، وهي أصل للعبة المزمار[9].

2- الفنون الجنوبية

يوجد رقصات لقبائل جنوب المملكة منتشرة في جبال السراة وتهامة ونجران (مناطق عسير والباحة وجازان ونجران)، ومن أشهر رقصات الجنوب:

الخطوة: ومن أشهرها خطوة السراة وخطوة تهامة، وخطوة تهامية، وهي حركة جماعية تسير ببطء شديد عكس عقارب الساعة، ولا تكاد تلحظ بسهولة. ومن الألعاب الشعبية: اللعب الشهري: من أشهر اللعب الجنوبي، والمدقال: وهو فن ترحيبي، ويؤدى عندما تقبل قبيلة على أخرى في مناسبة رسمية[10].

وتشتهر نجران بفنون الرزفة: يعد اللون الفني الشائع ويؤدى في المناسبات العامة كالأعياد والزواج والختان، ويؤديها صفان متقابلان بحيث تكون يد الشخص من الصف على كتف الذي يقف بجانبه، وطريقتها أن يتقدم الصف للصف المقابل له، ثم يتراجع ليتقدم الصف المقابل بالتناوب، وذلك على إيقاع الطبول والأهازيج، وبداخل الساحة بين الصفين يوجد لاعبان يلعبان بالخناجر أو البنادق، بطريقة تسمى السَعَب[11].

وزامل: لعب ذو إيقاع حماسي، وقد يستخدم لحل الخلافات القبلية، ويتكون من أبيات شعرية تلائم المناسبة وتلقى من المجموعة التي تمشي باتجاه مكان أو جماعة تنتظرهم[12]، وهي رمز لوحدة القبيلة، ويكون بينهم متحدث، وكلما كان مفوهاً زاد في إبراز قومه.

3- الفنون النجدية

يختلف الرقص النجدي الرجالي في اعتماده الأساسي على الجزء العلوي من الجسد، من خلال استخدام الصدر والكتفين في الرقصات التي تؤدى وقوفاً مثل العرضة، أو التي تؤدى جلوساً مثل السامري.

العرضة: تسمى العرضة النجدية، وقد سجلت في اليونسكو باسم “العرضة السعودية”، وهي عبارة عن صفين متقابلين وفي وسط الصفين يوج قارع الطبل واللاعبين بالسيوف الذين يتمايلون على الإيقاع، وقبل أن تبدأ العرضة يتقدم شخص لينشد بيتين أو ثلاثة، وعند نهايتها، يكون الصفوف في جاهزيتهم لبدء العرضة، وهذه العملية تسمى “الحوربة” أو “البيشنة”[13].

السامري: فن شعبي يعتمد على قرع الطبول والطيران، ويؤدى جلوساً، بحيث يتكون من صفين متقابلين جلوساً، ويبدأ التمايل بالكتفين واليدين، وطقوس السامري تشبه طقوس “المالد”، وهي مدائح صوفية بمناسبة المولد النبوي، تؤدى جلوساً على وقع الطبول، وفي بعضها تمايلات بالكتفين واليدين بحركات مأخوذة من تموجات البحر.

4- فنون المنطقة الشرقية

الفريسة: فن شعبي قديم من فنون المنطقة الشرقية والخليج، تعتمد على لاعبين رئيسين، الأول يقف داخل قفص مستطيل له رأس فرس، مجللان برداء مزخرف، ثم يؤدي حركات راقصة وفق ضربات الإيقاع المصاحب للعبة. واللاعب الثاني يسمى قائد الفريسة، ويحمل بيده عصا خيزران ويلاعب بها الأول[14].

5- الفنون الشمالية

الدحة، وتسمى الدحية: وهي تؤدى وقوفاً، وتعتمد على حركة الرأس مع التفاتة كل شخص لمن يقف بجواره مصحوباً بصوت مفخم كصوت البعير بهدف إظهار القوة والمهابة في حالات الاستعداد للحرب، ويصاحب ذلك تصفيق باليدين.

خامساً: سمات عامة

يلحظ من هذا العرض أن خط سير الرقص يبدأ من الجنوب باستخدام الجزء السلفي من الجسد بالضرب بالأقدام على الأرض مع القفز المصاحب للإيقاع، مما يعني ارتباطه بمواسم زراعية تعتمد أساسًا على ضرب الحصاد بالقدمين والانشغال بالرقص واللعب للإنجاز بلا ملل. وهذه السمة تعد إعادة إنتاج للفنون الشعبية القادمة عبر خط سير متجه نحو اليمن ثم قبائل القرن الأفريقي.

وكلما اتجه نحو وسط جزيرة العرب ارتفع قليلاً، حيث يستخدم الكتفين واليدين في نجد، ويستخدم الرأس بميل الرقبة وتفخيم الصوت في أقصى الشمال، وهذه الاستخدامات الأساسية التي تميز اللعب والفن الشعبي، مع استخدامات ثانوية لأجزاء الجسد في جميع الفنون.

ولكل قبيلة ومنطقة أسلوب في الأداء، كما تقدم، ومسميات فنية معروفة، إلا أن جوهرها يقوم على ثلاثة عناصر هي: الآلات الموسيقية، واللعب الجماعي، وكلمات القصيدة الملحنة، إضافة وجود قائد اللعب يدير الصفوف. ومن سمات اللعب الشعبي اعتماد كثير منها على الصفوف المتقابلة، كما أن كثيرا من الرقص واللعب كان في الأزمان السابقة يتضمن وجود العنصر النسائي بداخل الصف لإلهام اللاعبين وبث الحماس بينهم، وفي الأصل كانت المرأة تشارك في عرضات الحرب، ثم بعد انتهاء سبب الحرب تحولت إلى تقاليد، ثم انسحبت المرأة من ساحة لعب الرجال.

يلحظ أن الفنون الشعبية لمناطق الأطراف تتأثر بالمناطق المتاخمة لها، مثل تأثر فنون الشمال بالفنون الشعبية الشامية، وتأثر الفنون الجنوبية بالفنون اليمنية، وتأثر فنون تهامة بالفنون الأفريقية، وتأثر بعض فنون الحجاز بفنون مصر، أما فنون المنطقة الشرقية فهي متأثرة بالفنون العمانية والفنون العربية في الساحل الشرقي للخليج مثل الأحواز، حيث كان الامتداد السياسي والاجتماعي واحد حتى بداية القرن العشرين.

سادساً: الطقوس الدينية في رقص المرأة

يوجد رقص نسائي شعبي قديم معروف في الجزيرة العربية والخليج لم أعرف له مسمى واضح، فقد كانت المرأة تعتمد على الشعر الطويل المنسدل بشكل رئيس، وترقص بطريقة هندسية وخشوع داخل ضجيج الموسيقى والتصفيق، كما لو كانت في معبد. حيث تنزل الفتاة الميدان بزينتها، وهو يتكون من دائرة صغيرة يحيط بها الجمهور من النساء، ثم تبدأ الرقص على إيقاع الطبول والأغاني والتصفيق، وذلك بوضع يديها أو إحداهما على صدرها، كما يضعها المصلي، وتلاصق قدميها ببعض، كما يفعل المصلي أيضاً، وقد تغمض عينيها أحياناً، ثم تبدأ بالضرب بقدميها بسرعة مع إيقاع التصفيق والغناء، وتومي برأسها مع انحناءة إلى حد الركوع مع تمايل الشعر في جميع الاتجاهات، ويسميه البعض “اللوفحة”، وفق حركة متسقة وموزونة[15].

ويبدو أن طقوس الرقص بهذا الشكل له جذور موغلة في القدم تعود إلى الرقص في المعابد، وقد يكون لها ارتباط بمخاطبة إله المطر أو آلهة قديمة، ثم مع مرور مئات أو آلاف السنين انفصل الرقص عن المعبد ولكنه صار يؤدى بذات الطقوس، ثم منح المجتمع له معاني جديدة ترتبت بالمناسبات الاجتماعية. وتؤكد الهياكل العظمية التي عثر عليها في المقبرة الملكية في مملكة أور السومرية بالعراق، في 2450 قبل الميلاد، وتؤكد الكتابات المسمارية والنقوش الأثرية، أن المرأة في العراق القديم قد مارست فنون الموسيقى والغناء والرقص، وكانت ترقص مع الرجل جنباً إلى جنب[16].

وقد وجدت مجموعة رسومات صخرية قديمة تعود إلى حضارات شمال الجزيرة العربية وجنوبها، لنساء يرقصن بشكل جماعي أو فردي، وأكثرهن راقصات في المعابد بملابس ساترة، ومن بينها صورة تعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد في “معبد نشأن”، حيث رسمت راقصات وهن يتجهن برؤوسهن جهة اليمين وشعورهن مرسلة على الكتفين، ويرتدين ملابس فضفاضة وساترة للجسد[17]. مما يؤيد أن بعض أشكال الرقص النسائي السائد قبل نصف قرن كان يحمل سمات طقوس دينية مترسبة في الثقافة الشعبية.

ويؤكد الرقص النسائي أنه حافظ على طقوسه القديمة التي تعتمد على اللبس الساتر والشعر الطويل والحركة السريعة في دائرة ضيقة، ولم تدخل عناصر الرقص الجديدة التي تعتمد على أجزاء من الجسد كالصدر إلا مع انتشار ثقافة التلفزيون والقنوات الفضائية.

سابعاً: تقليعات الرقص

1- الزار

يوجد نوع من الرقص الشعبي يعرف بمصطلح الزار أو الاستنزال، وهو حالة هستيرية تأتي مع شدة قرع الطبول، وقل من كتب عنه لعدم الاعتراف به، وهو يظهر مع فن السامري غالباً. ويرى بعض الباحثين أن أصل كلمة زار Zar مأخوذة من اللغة الأمهرية، وهي مشتقة من كلمة جار Jar، وقد انتقل المصطلح من الحبشة إلى مصر والسودان، وأن جار اسم إله لهيكل الإله السماء كوش Kush، الذي يتجلى كثيراً في شكل أرواح شريرة تصيب الإنسان، ولا يتسنى إخراجه من البشر، وفق الموروث الإثيوبي، إلا بالتمائم والتعاويذ، وقد تحولت مع مرور الزمن إلى احتفالات زار[18].

2- الرقص المناهض للعادات

يظهر في كل جيل شكل من أشكال الرقص المناهضة للرقص الشعبي المعترف به، وهو يعيد إنتاج نفسه في كل جيل، ولكنه يتم عبر منصات رقص خارج الساحات المعترف بها، وغالبها يتسم بطابع رقصات رجالية تأخذ مزاجاً أنثوياً، مثل: رقصات “قوم مجدي” في السبعينيات، ظهرت بشكل جديد في رقصات “الشكشكة”.

ختام: توظيف الرقص في التاريخ والأزياء والهوية

يكشف تحليل الرقص واللعب في مختلف الفنون الشعبية أنها حلقة وصل مهمة تربط بين الأسطورة والواقع، وتسهم في اكتشاف الإنسان لنفسه وأساليب التعبير عن مشاعره وإظهار قيم القوة والفرح ومقاومة الملل والمخاوف والتهديدات، وحل المشكلات والإصلاح بين القبائل والعناية بالتماسك الاجتماعي والدعم الجمعي، وإضفاء معاني السرور في اللقاءات.

وتعكس كثير من حركات الراقصين هوية المجتمع الزراعي ومجتمع الصيد، وتحمل معها مضامين القوة، وبالتالي فهي مناسبة كمدخل تاريخي لدراسة المجتمع، ومناسبة كمدخل فني لتصميم المباني والأزياء والتطريز المستوحاة من بعض أزياء الراقصين واللاعبين أو من حركاتهم وتمايلهم، مثل: تموج البحر في السامري، والتلويح والتمايل الجسدي في العرضة، والقفز أو الضرب على الأرض بالقدم في اللعب الجنوبي. هذه كلها مناسبة لاستلهام أنواع جديدة من التطريز والنقوش التي ترمز للهوية.

وتؤكد الورقة أن الرقص واللعب مجال خصب للدراسات التاريخية ودراسات المقارنة، للتعرف على العلاقات القبلية والمناطقية، وفي ودراسة مراحل تحولات الفنون الشعبية من حاجة وضرورة إلى أداة لقضاء أوقات الفراغ.

 

الهوامش

[1] محمد جواد كاظم (مترجم)، مدخل لدراسة الرقص الشعبي على ضوء الأثنوجرافيا، العراق، مجلة التراث الشعبي، مجلد 12، عدد 8، 1981، ص 122

[2] عزالدين إسماعيل أحمد، الرقص الأفريقي، مجلة الفنون الشعبية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، عدد 56، 57، ديسمبر 1997، ص 97

[3] محمد جواد كاظم (مترجم)، مدخل لدراسة الرقص الشعبي، مرجع سابق، ص 119

[4] جميل حمداوي، الأنثروبولوجيا الثقافية بين النظرية والتطبيق، المغرب: دار الريف للطبع والنشر الإلكتروني، ط 1، 2020، ص 177

[5] صبحي أنور رشيد، الموسيقى، ضمن موسوعة حضارة العراق، بغداد، 1985، ج 4 ص 407

[6] إبراهيم بن محمد الحلبي، الرهض والوقص لمستحل الرقص، تحقيق أحمد رشيد ثميل الفهداوي، الجامعة العراقية: مجلة الجامعة العراقية، مجلد 3، عدد 35، 2016، ص 253- 308

[7] كامل عبدالمالك، ثقافة التنمية: دراسة في أثر الرواسب الثقافية على التنمية المستدامة، مصار: دار مصر المحروسة، ٢٠٠٨: 13، ١٤

[8] محمد جواد كاظم (مترجم)، مدخل لدراسة الرقص الشعبي، مرجع سابق، ص 124

[9] محمد عبدالعزيز القويعي، تراث الأجداد، الرياض: المؤلف، ط 1، 1415هـ/ 1994، ج 3 ص 87، ومن الفنون الشعبية أيضًا: والتعشير: وهو من فلكلور قبائل الحجاز الحربية، والصهبة: فن شعبي غنائي قديم، ويدخل الرقص في الأداء مصاحباً بآلة السمسمية. ومن الفنون الشعبية أيضاً: الخبيتي، والزريبي، والرفيحي، والبدواني: فن شعبي ينبعاوي، ويسمى الدلوكة أيضاً، يدخل فيه آلة الزير والنقرزان.

[10] ومن الفنون الشعبية الجنوبية: القزوعي: وهي لعبة قحطانية حماسية. كما تشتهر جازان بكثرة الألوان الشعبية، ومن أشهرها: المعشى، والعزاوي، والسيف، وطرق العشي، وهو لعب خولاني، ومثلوث فيفا، والزلاف، والجيش والربش والكاسر. وتشتهر جزيرة فرسان بفنون شعبية خاصة، مثل: زيفة: فن شعبي اشتهر في جزيرة فرسان، والدانة. ومن الفنون النجرانية: والمرافع، وتسمى لعبة الطبول. والشرح: من الفنون الشعبية في نجران، ولا إيقاع فيه، وإنما يعتمد اللاعبون على التصفيق بالأيدي مع الأشعار.

[11] صالح بن محمد بن جابر آل مريح، نجران، الرياض: الرئاسة العامة لرعاية الشباب، 1412هـ/ 1992، ص 111

[12] صالح بن محمد آل مريح، نجران، مرجع سابق، ص 111

[13] عبدالله بن محمد بن خميس، أهازيج الحرب أو شعر العرضة، الرياض، 1402هـ، ط 1، ص 356 والكتاب عبارة عن قصائد عرضة لعدد 68 شاعراً.

[14] محمد عبدالعزيز القويعي، تراث الأجداد، مرجع سابق، ج 3 ص 82، ومن الفنون الشعبية في الشرقية: والفجري: فن شعبي بحري معروف في المنطقة الشرقية والخليج، وله أقسام منها: البحري والحساوي والمخولفي والحدادي والعدساني، وكل اسم من هذه المسميات له أداء مختلف عن غيره. والعاشوري: من فنون المنطقة الشرقية والخليج الشعبية، ويؤدى في مناسبات الأفراح، وتغنى فيه قصائد في مدح أصحاب الفرح وتعداد فضائلهم، وطريقته أن يتقابل صفان على إيقاع الطبول والطيران، وقد يدخل أحد اللاعبين ليؤدي اللعب المنفرد وسط الصفين.

[15] يوجد وصف تفصيلي للرقص النسائي في: عبدالرحمن بن زيد السويداء، نجد في الأمس القريب، الرياض: دار العلوم للطباعة والنشر، 1403هـ/ 1983، ص 261

[16] صبحي أنور رشيد، الموسيقى، مرجع سابق، ص 418

[17] شيخة عبيد الحربي، التعبير الفني بالرقص في الجزيرة العربية في العصور القديمة، جامعة عين شمس: مجلة البحث العلمي بكلية الآداب، مجلد 4، عدد 21، أبريل 2020، ص 285

[18] نينو إيجيبادر، احتفلاات الزار في مصر: رواية شاهد عيان، ترجمة أحمد إبراهيم الصيفي، دورية كان التاريخية، عدد 20، يونيو 2012، ص 128- 134

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *