حجم الخط

الوكز.. إعادة النظر في السياسات العامة

د.عبدالرحمن بن عبدالله الشقير♦

يميل الإنسان في سلوكه الاجتماعي والاقتصادي اليومي إلى اختيار الأسهل والأقرب له، وربما يختار في مشترياته أول ما يقابله أو ما يكون على مستوى نظره؛ وذلك لأنه عادة لا يحب الدخول في التفاصيل والتعقيد. وقد لاحظ بعض علماء الاقتصاد السلوكي أهمية هذه التفاصيل البسيطة والتي لا يؤبه لها غالباً، ورأوا فيها فرصة لإعادة رسم السياسات العامة؛ في مجالات التعليم والصحة والاستهلاك والادخار والتنمية عموماً، والتأثير على المجتمع من خلال توجيهها بلطف ودون إثارة.

المستقبل لدراسة الحياة اليومية

مُنحت جائزة نوبل في الاقتصاد ثلاث مرات لموضوع الاقتصاد السلوكي، في الأعوام 2002 و2017 و2019، وقد أكدت أهمية دوره في صناعة السياسات العامة للحكومات، رغم أن هذا الدور غاب لفترات طويلة. وقد أظهرت العديد من الدراسات المتعلقة بالاقتصاد السلوكي، والتي بدأت في الظهور بوضوح منذ الثمانينيات، حدوث تحولات ثلاثة مهمة في الدراسات الاجتماعية والاقتصادية؛ هي التالي:

الأول: التعامل مع المجتمع من منطلق التأثير الذي يلعبه السلوك اليومي متناهي الصغر، وهذا خلاف النظريات الكلاسيكية التي ترى أن البناءات الكبرى كالسياسة والاقتصاد الكلي، هي التي تعيد تشكيل المجتمع.

الثاني: ثبات نظرية المستهلك غير العقلاني، وسقوط نظرية المستهلك الرشيد العقلاني.

الثالث: دراسة المجتمع وفق الواقع المعيش، وليس وفق النظريات أو المثاليات أو ما ينبغي أن يكون.

من هذا المنطلق برزت في السنوات الأخيرة نظرية الوكز، بوصفها أحد أهم المعالجات الفاعلة لتوجيه السياسات العامة في مجالات الصحة والاقتصاد والتعليم ضمن الاقتصاد السلوكي.

الوكز

صدر كتاب الوكز (يترجم إلى التنبيه أيضاً) nudge (2008) لعالم الاقتصاد البريطاني ريتشارد ثالر، وشارك في تأليفه كاس بي سنستاين، وهو الأكثر شهرة، ويركز على دراسة المؤثرات الصغيرة وغير المباشرة على سلوك الإنسان في حياته اليومية، في مجالَي الاقتصاد والصحة.

عالم الاقتصاد البريطاني ريتشارد ثالر – أرشيف

يتجه الإنسان بطبيعته إلى الموافقة والإبقاء على الأوضاع الراهنة والروتينية، وهنا يأتي دور الوكز الذي يهدف إلى تغيير السلوك والعادات دون اللجوء إلى إصدار نصائح أو تحذيرات ومحاولات للإقناع، أو تنفيذ مشروعات كبرى ولا توجيه مباشر.

المثال الأقرب لإيضاح الفكرة هو نغمة اتصال الجوال (الموبايل)؛ فالجهاز يأتي محملاً بعشرات النغمات، ولكنه مضبوط على نغمة واحدة ضمن الإعدادات الافتراضية للجهاز، واللافت أن أكثر من 95% من المستهلكين يبقون تلقائياً على هذه النغمة بينما يغيرها أقل من 5%. في المقابل هناك عشرات معارض التوعية الصحية التي تؤكد بالصوت والصورة والمجسمات والإحصائيات كمية السكر والزيوت في الحلويات، والمقارنة بين كبد المدخن وكبد السليم، ومع ذلك ليس لها تأثير يذكر. ومن ثم يأتي دور نظرية الوكز التي تعمل على إعادة تشكيل خيارات المتلقين بأساليب إقناع مبتكرة تعتمد على استهداف العاطفة الإنسانية وليس الإقناع العقلي.

 

التفكير السريع والتفكير البطيء

يقسم كتاب آخر لثالر عن الاقتصاد السلوكي الناس إلى قسمَين Humans and Econs، إذ يفترض الكتاب أن الاقتصاديين Econs عقلانيون، ولا مجال للسلوك العاطفي في قراراتهم؛ بحيث يدرسون جميع الخيارات ويتعلمون من تجاربهم ويعظمون منافعهم، ولكنهم قلة. أما أكثر الناس فهم صنف “البشر”؛ هم عاطفيون، ولذلك يقعون في الأخطاء المتكررة، وهم أكثر الناس عرضة للوقوع في أفخاخ الدعايات الأيديولوجية والإعلانات التسويقية، ويتسمون بأنهم يوقعون على العقود الطويلة، ويبدون الموافقة على الأذونات الإلكترونية دون قراءة شيء منها.

وبالتالي يدعو الكتاب إلى اتباع النماذج التسويقية في قرارات السياسات العامة بدراسة ما يلائم البشر العاطفيين؛ لضمان تحقيق نتائج مضمونة وبنسب عالية.

ومن أبرز المؤلفات في مجال مقارنة العقل العاطفي والعقل العقلاني، كتاب دانيال كانمان، أحد الفائزين بجائزة نوبل في الاقتصاد، المترجم بعنوان «التفكير السريع والبطيء»، ويقصد أن الإنسان لديه نظام تفكير سريع، وهو الذي يتخذ القرارات بطريقة تلقائية وغير واعية تبعاً للروتين وما اعتاد عليه الفرد، وهو نظام مهم لإدارة الحياة اليومية، ولكن تكمن خطورته في سهولة خداعه وتوجيهه. وللإنسان أيضاً نظام تفكير بطيء عقلاني يعتمد على اتخاذ القرارات بوعي وإدراك للمكاسب والخسائر وفقاً لكل حالة يتطلب فيها اتخاذ القرار، ولا يشتغل هذا النظام إلا عند الضرورة لاتخاذ قرارات مصيرية، ويحمل كل إنسان هذين النمطين من التفكير، إلا أن العبرة في حسن استخدامهما.

غلاف كتاب «التفكير السريع والبطيء»

يتداخل نظام التفكير البطيء والسريع مع نظام التحيز المعرفي (ويُسمى أيضاً الارتساء Anchoring)، ويتمحور هذا المفهوم  حول الإنسان الذي يتخذ قرارات وانطباعات بناء على ما هو متوقع أو بالاعتماد على معيار واحد أو صفة واحدة وعدم التيقن من باقي الصفات، وهذا قد يفسر إعجاب الجماهير بالمشاهير توقعاً منهم بأنهم اشتهروا لذكائهم ولطفهم وحسن نيَّاتهم، وبالتالي يمنحونهم الثقة، ثم يقعون في مصائد الوكز التي يمارسها المشاهير عليهم بالإعلانات والدعايات المتكررة لترويج سلع وخدمات بالاستناد إلى الثقة التي تحققت بسبب الشهرة.

من إنجازات الوكز في العالم

اهتمت دول كثيرة بتأسيس وحدات متخصصة في الوكز؛ من أجل رسم سياسات عامة عالية الكفاءة ومنخفضة التكلفة وسريعة النتائج، ويوجد عشرات التجارب الموثقة لها، رصد منها كتاب «الاقتصاد السلوكي وتطبيقاته عالمياً» (2019) لأحمد حسن النجار، نحو أربعين تجربة سلوكية في ثمانية قطاعاتٍ؛ تمثل: الصحة، والتعليم، والسياسات العامة، والاتصالات، والطاقة، وحماية المستهلك، وسوق العمل، والخدمات المالية والمصرفية، وهي نماذج من أصل 130 وحدة للوكز في عدد من دول العالم حتى عام 2018. وكلها تجارب جديدة تؤكد أن التغيير في بيئة العمل وسياسات الحكومات هو أحد أهم خيارات المستقبل؛ ومن أبرزها التالي:

– “وحدة توجيه البصائر السلوكية”، في بريطانيا، وتعد أقدم وحدة في العالم، تأسست عام 2010، وتأسست من أجل تحسين ثلاثة مجالات رئيسة في السياسة العامة؛ هي: الصحة، وتمكين المستهلك، والثالث كفاءة الطاقة وتغير المناخ، إضافة إلى دعم اتخاذ القرار في السياسات العامة الحكومية. وتعد تجاربها من أهم التجارب التي لقيت رواجاً عالمياً، ومن أبرز إنجازاتها: اقتراح السجائر الإلكترونية، وقد لقيت انتشاراً عالمياً واسعاً بعد أن قدرت وكالة الصحة العامة الإنجليزية أنها أكثر فعالية من طرق الإقلاع عن التدخين بنسبة 60%. وإضافة عبارة تحث على الموافقة على التبرع بالأعضاء بعد الوفاة على ضريبة فواتير السيارات، وارتفع عدد الموافقين سنوياً بشكل كبير. كما رصدت الوحدة قائمة بأكثر الأطباء وصفاً للمضادات الحيوية، واستهدفوهم برسائل حث على تغيير أساليب وصف المضادات، وانخفض وصف المضادات بنسبة 3,3% في المنطقة السكانية المستهدفة.

غلاف كتاب «الاقتصاد السلوكي وتطبيقاته عالمياً»

– تنفيذ برنامج تعزيز الكفاءة المالية لدى الشباب لاتخاذ قرارات مالية فعالة تستند إلى الأدلة، وقد نفذه هيئة الأوراق المالية الوطنية في إسبانيا عام 2013، على عينة من 28 مدرسة، ويهدف البرنامج إلى تحسين الثقافة المالية في الاستثمار والاستهلاك والادخار للطلاب والمعلمين، وقد بدأت بأنشطة لا صفية؛ مثل الدورات التوعوية المتنوعة والمبسطة في عمليات صنع القرار، والمسابقات. وقد أكدت التجربة أن البرنامج ناجح، وكان له أثر ملموس، وينبغي استمراره سنوياً وتعميمه على جميع المدارس، وتحويله إلى مقرر صفي.

– نفذت أوغندا وغانا برنامج “محو الأمية المالية” عام 2013؛ بهدف ترشيد عمليات القروض التي أنهكت كثيراً من الأسر؛ حيث أجرت دراسة على 1500 أسرة مقترضة من أربعة مصادر، كما يلي: مؤسسات رسمية تخضع لرقابة البنك المركزي، مؤسسة شبه رسمية، مؤسسة غير رسمية، مثل الأشخاص والذين يسددون الفواتير برسوم، وأسر غير مقترضة، وكشفت النتائج عن أن التعثر المالي في السداد يكون في المؤسسات شبه الرسمية وغير الرسمية؛ مما جعل الدولة تتدخل لمحو الأمية المالية بنشر نتائج الدراسة والتوعية بخطر بعض مصادر الاقتراض.

وحدات الوكز في الخليج

اهتمت دول الخليج مؤخراً اهتماماً كبيراً بإنشاء وحدات للوكز لرسم السياسات العامة في ضوء تحليل التفكير السريع للإنسان العادي في الحياة اليومية؛ من أبرزها “وحدة قطر للتوجيه السلوكي” (2016)؛ وتهدف إلى رسم السياسات العامة في الصحة والرياضة والاستدامة وغيرها، بالاستعانة بالعلوم السلوكية، وأسست وزارة الصحة السعودية “وحدة الوكز” (2018)؛ بهدف تحسين الممارسات الصحية للأفراد، ومنها تحويل رياضة المشي إلى سلوك يومي، و”وحدة الوكز السلوكي” (2018) في مركز السياسات العامة بالأمانة العامة للتخطيط والتنمية الكويتي، وتسعى إلى تعميم صناعة السياسات العامة بالوكز في مختلف مؤسسات الدولة، وأسس المجلس الأعلى للتخطيط في عمان “وحدة الاقتصاد السلوكي” (2019) ضمن رؤية عمان 2040، وأطلق البرنامج الوطني للمكافآت السلوكية- فزعة في الإمارات “دبلوم علم الاقتصاد السلوكي الافتراضي” (2020).

 

سجل الوكز

نشأت في السعودية حزمة إصلاحات تنموية كانت أقرب إلى وحدات الوكز؛ وذلك لأنها تحمل سمات الوكز وشروطه، من أجل صحة المجتمع والبيئة، أو التغيير الناعم ليكون التغيير الجديد هو الوكز والوضع الافتراضي الجديد، الذي أسهم في نشر الثقافة الصحية؛ مثل: إنشاء شرطة الأمن البيئي التي أسهمت في تحسين المزاج العام من خلال الحفاظ على البيئة والحد من الاحتطاب الجائر الذي كان مصدر قلق شعبي، ومثل: توسيع الأرصفة في الشوارع والأحياء وإصلاح الأودية وتهيئة كثير منها لتكون مضامير مشي آمنة؛ مما زاد من معدل ممارسة الرياضة اليومية. إضافة إلى انتشار ظاهرة الأندية الرياضية ومتاجر بيع الأغذية والمخبوزات الصحية، وشيوع ثقافة بعض الأنظمة الغذائية المتنوعة؛ مثل: كيتو والصوم المتقطع وغيرهما.

 

يمثل إنشاء سجل للوكز الذي حقق الأهداف باتباع سياسات عامة جديدة بوصفها وضعاً افتراضياً في قطاعات البلديات والصحة والتعليم والاقتصاد والأمن، فرصة مهمة لتقييم السياسات العامة السابقة وتطوير السياسات القادمة وفق مفهوم الوكز، ويتيح المجال لتوسيع آفاق التنمية. وسوف أشير إلى نماذج من الوكز التي تحققت بشكل مباشر أو غير مباشر، إلا أنه تحمل معها سمات الوكز في قطاعات غير الاقتصاد، وذلك لبناء تجارب جديدة تسهم في تحسين بيئة العمل.

الوكز التنموي في حدائق الأحياء

كانت ظاهرة حدائق الأحياء المنتشرة في أحياء الرياض في السابق محاطة بسياج حديدي، وتفتح أبوابها في أوقات محددة، وتغلق في أوقات المساء؛ مما جعل وسط الحديقة مكاناً مهجوراً ومظلماً ومشجراً ومأموناً من المارة، مما جعله بيئة خصبة لتجمع المنحرفين فيها أثناء أوقات الليل حتى قبيل الفجر.

بعد أن كثرت الشكاوى من التجمعات المشبوهة بالانحراف والجريمة، مما حولها من مسألة تنموية إلى أمنية، ولذلك قررت المؤسسات المعنية إزالة الحواجز عن الحدائق، وتركها مفتوحة طوال اليوم، فكان هذا القرار بمثابة وكزة تنموية؛ إذ جعلت من زيارة الحدائق في جميع الأوقات وضعاً افتراضياً لأهالي الحي، مما زاد من جذ الأسر للحدائق وجعلتها ملتقى للغرباء في أماكن مفتوحة، وسوقاً لسيارات الأطعمة الخفيفة والمشروبات، وهذه البيئة طردت بيئة الانحراف، ورسخت أمن الأحياء بوكز غير ملموس ولا مقصود، ولم تتطلب أي تدخل أمني مباشر.

حدائق الأحياء في السعودية – أرشيف

الوكز التنموي في المجتمعات المحلية

يقصد بالمجتمع المحلي المحافظات والمراكز والمدن الصغيرة سكانياً، والتي تعاني عدم استيعابها التنمية، ويكون بعضها بيئة حاضنة للجريمة والانحراف والتطرف ونشوء عادات مناهضة لعادات المجتمع العام.

وسوف تسهم مبادرات الوكز والاقتصاد السلوكي في التنمية وتغيير منظومة القيم الاجتماعية؛ إذ تذيب التنمية روح الجماعة المغلقة وتغذي روح الجماعات المفتوحة، فالإنسان المتشدد لعاداته وأفكاره التي تخالف المجتمع، يرفض أي تغيير؛ ولكن يمكن تغيير قناعاته وأفكاره بمشروعات بالوكز من خلال التنمية الصغيرة التي تحيط به وتغير كل مَن حوله والأجيال التي جاءت بعده، مما يجعل من الصعب عليه أن يرى في قيمه ما يمثل بطولة. وتشمل التنمية الحضرية إنشاء سلسلة من الفضاءات العامة في المدن المغلقة والنائية كالحدائق والملاعب والمقاهي والمطاعم.

الوكز التنموي في المجتمعات الحدودية

يقصد بالمجتمع الحدودي، المجتمع الذي يسكن حدود الدولة مع الدول المجاورة، وهو يسمى مجتمع حدودي للدولة الأم ومجتمع متاخم للدولة المجاورة. وكلما انخفضت التنمية في المجتمعات الحدودية أو زاد بعد هويتها الثقافية والاقتصادية عن مجتمع المركز، زادت المشكلات الأمنية.

تعد بعض المجتمعات الحدودية إحدى أخطر المشكلات الأمنية والاقتصادية التي يواجهها كثير من دول العالم، وذلك بسبب بُعد الأطراف عن المركز؛ مما يصعب السيطرة عليه، ولذلك يبقى أحد أبرز الحلول في الوكز من خلال تنمية المجتمعات الحدودية وإنشاء سلسلة أسواق دائمة ومؤقتة، وإيجاد فضاءات مليئة بالبشر، وذلك لأن الأسواق كفيلة بابتلاع الفقر والحد منه، وتركيز المشكلات الأمنية في مناطق محددة قابلة للسيطرة.

ختام

 تعكس نظرية الوكز اتجاهاً عالمياً جديداً، في كثيرٍ من قطاعات الدول؛ وهي فكرة تنطوي على تطوير منظومة العمل الحكومي والقطاع الخاص والخيري، بأقل تكلفة وتضمن أعلى النتائج بأقل جهد وأسرع وقت، إضافة إلى غرس عادات جديدة والتأثير في المجتمع دون توجيهات مباشرة. وقد دخلت فلسفة الوكز في صناعة السياسات العامة لكثير من دول العالم، ولا تزال تغرس في جميع القطاعات، وليس في الاقتصاد والصحة والتعليم فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *