حجم الخط

أنسنة التاريخ

د.عبدالرحمن بن عبدالله الشقير♦

أنسنة التاريخ هي معرفة وظيفة التاريخ في المجتمع وعلاقته بالإنسان، فرداً وجماعةً ومجتمعاً، وتحليل أحداث التاريخ في بُعده الإنساني، وعمق انغراسه في الحياة اليومية. ونشأت فكرة انتماء الإنسان العادي من هوية بلدته وقبيلته وأسرته والتفاخر بدفاع الآباء والأجداد عن مكانة بلدانهم وقبائلهم الاجتماعية والاقتصادية وتمجيد انتصاراتهم وتخليدها بحفظ ما قيل فيها من أشعار وروايات وأسماء الفرسان؛ وهي قيم رمزية ومعانٍ إنسانية كانت ذات أهمية خالدة قبل أن تطغى عليها الحياة المادية.

وقد وردت فكرة الأنسنة مجردة في الموسوعات الفلسفية كثيراً، أما أنسنة التاريخ فقد وردت لدى مفكرين عرب؛ أمثال: محمد أركون في كتابه “نزعة الأنسنة في الفكر العربي: جيل مسكويه والتوحيدي” (1997)، فهو يؤكد الطابع الإنسان في التاريخ الإسلامي المبكر، وبُعده عن الأيديولوجيا والتكفير والعنصرية والتعصب، ويظهر ذلك من كتابات مسكويه والتوحيدي، ويرى أن ذلك ناتج من الانفتاح على الفلسفات والأفكار الأخرى، والتي تجسدت في القرن الخامس الهجري وما قبل، ويؤكد نتيجة لذلك الأخذ بأسباب نبذ الكراهية، ويطرح أفكاراً في سياق عرض نظريته؛ مثل أهمية السير الذاتية وتحدُّث المؤلفين وأصحاب الفكر والعلم والتجارب عن أفكارهم ومجتمعهم في بناء خبرات جديدة وأكثر تقدماً، وأن النزعة الإنسانية مرتبطة بازدهار النزعة العقلانية[1]، والتاريخ عند أركون عبارة عن تنافس على المصالح[2].

 

غلاف كتاب “نزعة الأنسنة في الفكر العربي: جيل مسكويه والتوحيدي”

والثاني محمد مهدي شمس الدين، في كتابه “ثورة الحسين: ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية” (1978)، ويقصد بأنسنة التاريخ: “جعله ذا صلة بحياة الإنسان ومطامحه، وإعداده ليندمج مع الكائن الإنساني في تركيب عضوي متفاعل متكامل، وليس مجرد انعكاس خاوٍ لحياة إنسانية سابقة… وإن حقبتنا الحياتية الراهنة لتحتم علينا أن نتناول التاريخ تناولاً إنسانياً، تناولاً يتيح له أن يكون عاملاً مطوراً في ما يتعلق بمواقفنا من الحياة والكون”[3]. إضافة إلى الفيلسوف بول ريكور، الذي يؤكد في كتاب “الزمان والسرد”، أن الزمان مفهوم تجريدي ولا يمكن تصوره من دون سرد تاريخي، وأن الأحداث توثق بناء على تصور المؤرخ للحدث، ومع ذلك يشكِّل التاريخ الهوية الفردية، ويحدد نظرة الفرد للحياة، ويعيشها ويعيد إنتاجها.

وأنسنة التاريخ تهيئ أرضية صلبة لإعادة قراءة التاريخ وإعادة كتابته، بعد فحص أدلجة التاريخ التي هيمنت عليها الأصوليات الدينية في اليهودية والنصرانية والإسلام بمختلف طوائفهم ومذاهبهم الأصولية وتفسيرهم للأحداث وفقاً لرؤيتهم الدينية التي تمثل بالضرورة طائفتهم وأحزابهم وجماعاتهم ولا تمثل الأديان، وبعد فحص نظرية “التاريخ يكتبه المنتصر” أيضاً؛ وذلك لأن هاتين الفكرتَين تسببتا في طمس هوية الإنسان العادي، وتحويله من كائن إنساني يرى الفكرة والقيم، إلى كائن أيديولوجي لا يرى في الأحداث وفي صنَّاع التاريخ والحضارة إلا التحزب “إما معنا وإما ضدنا”.

 

غلاف كتاب “ثورة الحسين: ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية”

غير أنه يمكن أنسنة التاريخ، من منظور ثالث، بتكثيف المعاني الرمزية حول القيم الاجتماعية في التاريخ، ومدى إسهاماتها في جودة حياة الإنسان، وتحويل التاريخ من موضوع للتسلية، إلى رموز ومعانٍ في التراث والهوية الاجتماعية ومنجم لقيم: الإنجاز والعمل الشاق والكسب واحترام المال والوقت وتقبل الآخرين والتسامي بالذات ونبذ العنصرية والتفرقة بين الأشخاص على أُسس عرقية ومناطقية وطائفية، وذلك بعد إعادة قراءة الأحداث التي شُوِّهَت وتسبَّبَت في إفراز قيم العنصرية؛ التعصب والكراهية وعدم تقبل الآخر، والتركيز على النماذج البديلة؛ وذلك لأن تاريخ الإنسان العادي يقوم أساساً على التجانس والتعاون، والحاجة المتبادلة التي تفرض على الجماعات أن تراعي مصالحها.

وتتحقق أنسنة التاريخ عبر بث الروح الإنسانية في التاريخ بتحليل المنجزات المادية وغير المادية والقيم الاجتماعية والاقتصادية التي يتحرك بها التاريخ، واستخدام خبرات التاريخ في تشخيص الواقع واستشراف المستقبل، وهذان المستويان يحققهما مراكز الفكر والمفكرين، ومن هنا تتأكد أهمية كتابة التاريخ بطرق لصيقة بالمجتمع. ويؤيد ذلك ظاهرة الحنين إلى الأماكن والأوطان في التراث العربي، أو تخليدهم أماكن عاشوا فيها في مراحل صباهم، أو عاشوا فيها قصص الحب، ولا تزال العامة تعرفها وتزورها؛ مثل: مكان لقاءات عنتر وعبلة، وقيس وليلى، أو عودة المجتمع إلى ترميم العمارة الطينية القديمة، والبناء على تصاميمها.

المراجع:

[1]  محمد أركون، نزعة الأنسنة في الفكر الإسلامي: جيل مسكويه والتوحيدي، ترجمة هاشم صالح، بيروت: دار الساقي، ط 1، 1997، ص 14، 97.

[2] كحيل مصطفى، الأنسنة والتأويل في فكر محمد أركون، بيروت: منشورات ضفاف، ط 1، 2011، ص 227.

[3]  محمد مهدي شمس الدين، ثورة الحسين: ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية، قم: دار المثقف المسلم، ط 5، 1978، ص 293.

♦أستاذ علم الاجتماع في جامعة الملك سعود بالرياض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *