حجم الخط

الإتلاف الصامت

يواجه العالم المتحضر مشكلة إتﻻف الممتلكات العامة وتخريبها، وﻻ تكاد تسلم دولة من عمليات تخريب متعمد ومخالف للقانون في كثير من مشروعات التنمية والترفيه، وبخاصة في المنشآت العامة والحدائق، وربما أكثرها شهرة هو الكتابة على الجدران (الجرافيتي)، وتعد إتلاف المقررات المدرسية بعد اﻻختبارات، ظاهرة متلازمة مع مجموعة من الظواهر التربوية المرفوضة والتي تنتشر موسميا في أيام اﻻختبارات مثل الغياب وتعطل الدراسة في آخر اسبوع منها، وتعاطي حبوب الكبتاجون والتفحيط والتسكع وتخريب ممتلكات المدرسة، وغيرها من المظاهر السلبية التي تعبر عن اﻻنحراف عن معايير المجتمع، وهي تقع ضمن منظومة ظاهرة تخريب الممتلكات العامة.
وقد شاهدت،كنموذج، المقطع المتداول عن إتﻻف الطلاب للمقررات والذي سبب الضجة الإعلامية، ولاحظت أن طلاب المدرسة الابتدائية مزقوا المقررات الدراسية ولكنهم لم يمزقوا شناطهم المدرسية المعلقة بظهورهم ولم يتخلصوا من الأقلام، لأنها ملك خاص، أما المقرر فلم يظهر للطلاب أي اختيار عقلاني يجعلهم يحفظونه أو يعيدونه للمدرسة.
كما أن المقطع يظهر أن تمزيق المقررات كان جماعياً، وليس فردياً، بغض النظر عن المجموعة المتفرجة، والعقل الجمعي غالبا ما تحكمه قوانين اجتماعية لا واعية ولا عقلانية وليس لها هدف واضح، ولا يستطيع الفرد توجيهها وهذا يعفي الطالب من طائلة المسئولية، لأن قرارته الذاتية تكون منقادة بقوة ضغط سلوك الجماعة، كما أن المزاج العام للطلاب كان سعيداً وليس غاضباً، وهذا مؤشر على أن السلوك الواعي لهم هو التعبير عن الفرح بنهاية العام الدراسي ونهاية المرحلة الابتدائية كما يبدو، ولا يمثل غضباً تجاه أحد، وإن كان الشعور اللا واعي يعبر عن احتجاج على سياسة التعليم، (ومحورها اﻷستاذ والمنهج والمدرسة من جهة، والطالب من جهة أخرى)، ومن ثم فسوف تمثل المقررات والممتلكات المدرسية الحلقة الأضعف في العملية التعليمية بالنسبة للطالب، وذلك بسبب انعدام التواصل الودود الفعال المثمر بين الطالب والمؤسسة التعليمية، وهذا جوهر التربية المفقودة.
وأنا لست قلقاً من التنبؤ بسلوك الطلاب إذا كبروا قياساً على تصرفهم المنحرف، كما فهمها البعض، لأن الإنسان يملك القدرة على تعديل سلوكه وتغيير مبادئه في أي مرحلة عمرية، كما يملك خاصية اتخاذ القرار والتراجع عنه أو اﻹيمان بفكرة ثم رفضها في أي لحظة، كما أني لست قلقا من استمرار ظاهرة إتﻻف المقررات، ﻷنها ظاهرة قديمة وعالمية، وﻷن المقرر الورقي سيندثر ويحل محله المقرر اﻹلكتروني، ولكني قلق من عدم دخول هذه المشكﻻت ضمن خطط وزارة التربية والتعليم ولا في استراتيجياتها، بوصفها قضايا جوهرية في العملية التربوية، وإنما تدرج، فيما يظهر، ضمن المشكﻻت الروتينية، مكتفية باستنكارها والتوعية الخجولة من خطرها في حينها، على الرغم من أن العﻻقة الإيجابية بين المدرسة والطالب يفترض أن تفعل وتعطى اﻷولوية ﻷنها تعزز التماسك اﻻجتماعي وتمنح الشعور باﻷمان وتبني ثقة الطالب بنفسه.
وأرى أن "اﻹتﻻف الصامت" للكتب المدرسية هو اﻷخطر، واﻷشد ضررا، مثل وضع الكتاب على اﻷرض بهدوء وتركه ثم جمعه كنفايات ورقية، ﻷنه ﻻ يلفت اﻻنتباه ويبقي المشكلة دون حل، وهذا الوضع يتسبب في هدر مليارات الرياﻻت في طباعة مﻻيين المقررات سنويا لجميع مراحل التعليم العام دون ترشيد استهﻻك أو الوعي بضررها البيئي، فالجديد في القضية منذ عقود هو عملية التصوير والنشر الذي أثار العاطفة الاجتماعية وسبب ضغطاً عاطفياً على وزارة التربية وجعلها تتخذ اجراءات تقليدية ﻻمتصاص الموقف، لذلك نستبعد هذا السبب وما ترتب عليه، ﻷني لست في موضع إدانة لﻹدارة التعليمية وإنما مراجع لسياسة التعليم، وسأكتفي بالتركيز على جذور المشكلة ﻻ قشرتها الخارجية.
بحثت في البداية عن الدراسات التتبعية التي تمتلكها وزارة التربية عن ظاهرة إتلاف الكتب، وذلك للتعرف على نوع الإتلاف، والمراحل الدراسية المرتبط بها، والجنس، والمدن والأحياء، والطبقة الاجتماعية والاقتصادية للطلاب وهكذا، ولكني لم أجد أي رصد علمي للظاهرة، بحسب معرفتي بعد السؤال والبحث، ثم بحثت في قواعد بيانات رسائل الماجستير والدكتوراه على مستوى العالم العربي ولم أجد شيئاً، وغياب البيانات ورصد الظاهرة علميا وميدانيا يعد أول مشكﻻت وزارة التربية والتعليم وأهمها.
ولم يكن أمامي من خيارات غير جمع التعليقات التي كتبت في تويتر ويوتيوب بوصفها مصدرا شعبيا مهما يعكس الرأي العام بصدق، وإجراء مقابلات مع عينة من المعلمين ومن الطلاب الذين سبق لهم أن أتلفوا الكتب بأي أسلوب كان، فجمعت بيانات كانت مهمة في كتابة المقالة.
ومن الصعب رد ظاهرة إتلاف المقرر المدرسي لسبب واحد أو عدة أسباب، ولا تقديم حل واحد ولا عدة حلول، لأن هذا النوع من المشكلات الاجتماعية والتربوية يشترك فيها شبكة من المؤثرات المنظورة وغير المنظورة، وأسباب كبيرة، مثل غياب القوانين التعليمية والقيم اﻻجتماعية الرادعة وعدم التوعية المستمرة والكافية بها، ودراسة بيئة المدرسة وثقافة المعلم ومظهره وسلوكه، وبعضها أسباب ساذجة وبسيطة في ذاتها ولكن بتركيبها مع مجموعة مماثلة من الأسباب قد تساعد على فهم المشكلة، مثل ضمان النجاح لأغلب الطﻻب سواء المجدين أو المهملين، وكذلك فصل الكتب المدرسية بحيث تطبع وتوزع مرتين بالسنة وليس مرة واحدة، وأعد هذا من "اﻹتﻻف الصامت" أيضا، وفوضوية رمي الكتب والشنط بداخل بيوت الطﻻب وعدم توعية اﻷهالي بأهمية المكتبة المنزلية وبترتيب الحقيبة المدرسية لﻷبناء، واﻻستخفاف بهيبة الكتاب المدرسي وتحويل كثرة فراغاته إلى لوحة جدارية (جرافيتي) للمذاكرة والذكريات، وسهولة حصول الطالب على نسخة من أي مقرر بحجة ضياعه، أما المقرر الدراسي بوصفه القضية اﻷساسية ورمز اﻻحتجاج للطالب، فقد لاحظ المهتمين تطور شكل التعليم من خلال حزمة قرارات ومنها أناقة المقررات وخفة وزنها، ولكن بمراجعتها نلحظ أنه لم يتطور مضمون كثير منها، فما يزال أسلوب "التلقين والحفظ والاستظهار" هو المهيمن على عقل سياسة التعليم وعقل المدرس التقليدي قبل المقرر، حتى وإن ادعى الجميع توجهه التربوي العصري ﻷن العبرة بالواقع ﻻ بالكﻻم المثالي، كما أن تطوير شكل المقرر لم يصحبه عملية توعية بالقيم والمضامين التي قصدتها سياسة التعليم حتى يستطيع الطالب أن يتعامل مع المقرر بحسب الهدف من شكله ومضمونه، فضلاً عن اختلاف مقاس المقرر الكبير عن مقاس الكتب المألوفة، ومن ثم سيكون شكله نشازاً في مكتبة المنزل، ووضع المقررات الحالي يخدم مصالح المطابع بالدرجة اﻷولى، مع أن الأولى هو الاتجاه لطباعة مقررات بمقاسات ورقية وأحجام خط تناسب كل مقرر ﻻ كل مرحلة دراسية، وأن تصمم بشكل جذاب ويملأ بصناديق جانبية فيها عبارات تحفيز للذات وللنجاح.
وأعتقد أن من مهام الوزارة أن تجعل من سلوك الطالب وأسلوب تفكيره قضية أمنية وتنموية تمثل أعلى درجات تطوير التعليم، فالطالب مورد بشري ﻻ ينضب ورأس مال بشري يحتاج إلى استثمار وادخار للمستقبل واستخدامه كقوة علمية وطنية، لذلك من المهم اﻻعتراف بأن المقررات التربوية الموجودة، رغم أهميتها في تهذيب السلوك وصقل الشخصية، ما تزال قليلة العدد وفارغة من المحتوى الجاذب للطالب والطالبة، فهي رغم تركيزها على التربية الدينية والوطنية واﻷسرية إﻻ أن تأثير الدين والوطن واﻷسرة على الطالب ما يزال محدودا ولم ينعكس على سلوكه وقيمه، وبالتالي يبرز السؤال الجوهري: (لماذا؟)، ثم لماذا أهملت مواد تربوية مهمة يفترض أن تكون أساس تطوير التعليم، ويلتزم الطالب بدراستها كل فصل دراسي في جميع مراحل التعليم العام، وتمكنه من ربط ما يتعلمه بممارسته في واقع الحياة اليومية وتكون جزء من شخصيته وهوية الوطن ﻷنها ستوسع مداركه مما يسهل دخوله في سوق العمل متسلحا بمهاراته ﻻ بحفظه، ويرفع قدرته على المنافسة، مثل التربية: الصحية والغذائية والنظافة الشخصية، وقواعد السلوك اﻻجتماعي (اﻷتكيت)، والمسرحية، ودراسة طبقات الصوت والمقامات الموسيقية، إضافة إلى شرح قيم التربية الرياضية واﻷسرية والوطنية وإقناع الطالب بالغاية منها وفائدتها بالنسبة له، ودراسة منهج كتابة البحوث والمقاﻻت والتقارير وكذلك تدريس المنطق ومبادئ الفلسفة العلمية واﻷدبية للمرحلة الثانوية.
وأقترح لعﻻج مشكلة إتﻻف المقررات جذريا، التعجيل باعتماد المقرر اﻹلكتروني ولو مرحليا، فالتقنية هي التي تحرك حياتنا اليومية ومصير التعليم العام أن ينتهي إليها وﻻ مبرر للتأخير، وتطوير المعامل المتخصصة لكل مادة والمزودة بكل وسائل التعليم بما فيها المقرر مما يعفي الطالب من حمله معه، وتعميم برنامج "بيئتي مسئوليتي" الذي تنفذه أرامكو بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، واستقطاب المبادرات الذاتية الناجحة التي نفذت في عدد من مدارس المملكة، وبطبيعة الحال فكل حل سوف يصحب معه حزمة من الميزات والعيوب، إﻻ أن عيوب التطوير أخف ضررا من عيوب الوضع التقليدي القائم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *